أبو عثمان
06-02-2009, 08:01 PM
كتبه: خادم العلم الشريف: علي عثمان جرادي ـ خطيب مسجد الروضة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد : فالانتخابات ... الترشيح ... والاقتراع ... حرام ولا يجوز للمسلم أن يشارك فيها. رسالة قرأتها تحمل توقيع أحد الإخوة ... قرأتها واطلعت عليها وعلى مضمونها ... فوجدت فيها مغالطات ... فوقفت حائرًا ماذا أقول أمام هذه الفتاوى ... . وفي فترة قراءتي لهذه الرسالة كنت أقرأ في كتاب : من فقه الدولة في الإسلام للشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله تعالى فرأيته يعاني مما عانيته , فيقول بأنه اطلع على كتاب تحت عنوان : القول السديد ( في أن دخول المجلس النيابي ) مناقض للتوحيد . فقد أدخل الكاتب الفروع في الأصول واختلطت عليه الأمور وجعل هذه القضية من أصول الدين . فقلت لا بد من توضيح هذه المسألة ولو باختصار حتى يكون المسلم على بصيرة من أمر دينه . فجمعت بعض أقوال أهل العلم في المسألة . إن الذي عجبت له أن كاتب الرسالة اعتمد على قوله تعالى : : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } وفي آية أخرى : { فأولئك هم الفاسقون } وآية أخرى : { فأولئك هم الظالمون } . ولم أر الكاتب ذكر أقوال المفسرين في الآية الشريفة , ولم أره ذكر أقوال أهل العلم في الآية الكريمة , فليست الآية على إطلاقها بأن كل من لم يحكم بما أنزل الله تعالى فقد كفر وخرج من الملة ,
قال العلماء في الآية يكون الحكم بغير ما أنزل الله تعالى كفرًا مخرجًا من الملة في حالات عدة منها :
1 ـ أن يجحد أو ينكر أحقيّة حكم الله ورسوله . 2 ـ أن يفضل حكم الطاغوت على حكم الله تعالى . 3 ـ أن يعتقد أنّ الحكم بما أنزل الله ليس بواجب أو أنه مخيّر فيه . أما حكم الحاكم أو القاضي في واقعة ما بغير ما أنزل الله مع اعتقاده بوجوب الحكم بما أنزل الله فهي إثم وحرام ومعصية .
جاء في تفسير الطبري : عن ابن عباس رضي الله عنه قوله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال : من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق . وهناك أقوال عدة في نزول ومعنى الآية انظرها في كتب التفسير . إن المصلحة الشرعية قد تكون مقتضية للتصويت من باب تخفيف الشر وتقليل الضرر ، كما لو كان المرشحون من غير المسلمين لكن أحدهم أقل عداوة للمسلمين من الآخر ، وكان تصويت المسلمين مؤثرًا في الاقتراع فلا بأس بالتصويت له في مثل هذه الحال . وعلى كل حال فهذه من مسائل الاجتهاد المبنية على قاعدة المصالح والمفاسد ينبغي أن يرجع فيها إلى أهل العلم العارفين لضوابط هذا الأصل . وليس لأحد أن يتوهم أن من قال بالتصويت أنه مقرر للكفر مؤيد له ، وإنما ذلك لمصلحة المسلمين لا محبة للكفر وأهله ، وقد فرح المسلمون بانتصار الروم على الفرس ، كما فرح المسلمون في الحبشة بانتصار النجاشي على من نازعه الملك كما هو معروف في السيرة . ولا يجوز أن يتخذ الخلاف في حكم الانتخابات، ودخول البرلمانات خلافاً في الأصول، فإنها من المسائل الاجتهادية التي ليس في منعها نص قطعي حتى نجعلها من مسائل الأصول فإن دخول البرلمانات يتوقف على جلب المصلحة، ودفع المفسدة . إن من يريد أن يفتي في دين الله تعالى في هكذا مسائل لا بد له من أمور :
1 ـ أن يكون عالمًا بعلم بأصول الفقه .
2 ـ وعلى علم بالقواعد الفقهية عامة وبالقواعد المتعلقة بالمصالح والمفاسد على وجه خاص .
3 + 4 ـ أن يكون على دراية بفقه الأولويات , وفقه الموازنات .
5 ـ أن يكون فاهمًا لمقاصد الشريعة . فمن ألمّ بهذه الأمور جاز له أن يتكلم في مسائل هامة كهذه بالإضافة الى ما ينبغي أن يتصف به المفتي من العلم .
أقوال أهل العلم في حكم المشاركة في الانتخابات النيابية :
1 ـ أما الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله فقد ذكر في رسالته عن نظام الحكم في الإسلام أنه: "يقوم على مسؤولية الحاكم ووحدة الأمة واحترام إرادتها ولا عبرة بعد ذلك بالأسماء والأشكال، وذكر أننا في حياتنا العصرية قد نقلنا عن أوروبا هذا النظام النيابي الذي تعيش في ظله حكوماتنا الآن، ثم ذكر أن هذا النظام النيابي يقوم على مسؤولية الحاكم وسلطة الأمة واحترام إرادتها، وعلى هذا فليس في قواعد هذا النظام النيابي ما يتنافى مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم، وهو بهذا الاعتبار ليس بعيداً عن النظام الإسلامي ولا غريباً عنه" (مجموعة رسائل الإمام الشهيد عن رسالة نظام الحكم) يقول الدكتور رئيس المجلس العلمي للجماعة الإسلامية بلبنان معلقا:يفهم من هذا أن الإمام البنا – رحمه الله – يعتبر النظام النيابي مجرد وسيلة ويطالب بتصحيح هذه الوسيلة واستعمالها من أجل الوصول إلى حكم إسلامي ولذلك فقد رشح نفسه لدخول المجلس النيابي مرتين ولكن القوى الاستعمارية لم تتح له ذلك.وإذا كان كلام غيره من العلماء ينص على جواز الدخول في المجالس النيابية فقد كان رأيه واضحاً في اعتبار هذه المجالس وسيلة يمكن الاستفادة منها في الدعوة أو في تطبيق الشريعة الإسلامية.
2 ـ وقد سئل الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله عن حكم الانتخابات ، فأجاب : " أنا أرى أن الانتخابات واجبة ، يجب أن نعين من نرى أن فيه خيراً ، لأنه إذا تقاعس أهل الخير ، مَنْ يحل محلهم ؟ سيحل محلهم أهل الشر ، أو الناس السلبيون الذين ما عندهم خير ولا شر ، أتباع كل ناعق ، فلابد أن نختار من نراه صالحاً . فإذا قال قائل : اخترنا واحداً لكن أغلب المجلس على خلاف ذلك . قلنا : لا مانع ، هذا الواحد إذا جعل الله فيه البركة وألقى كلمة الحق في هذا المجلس سيكون لها تأثير ولا بد ، لكن الذي ينقصنا الصدق مع الله ، نعتمد على الأمور المادية الحسية ولا ننظر إلى كلمة الله عز وجل .... فَرَشِّحْ مَنْ ترى أنه خير ، وتوكل على الله " انتهى باختصار.
3 ـ ذكر الإمام أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان رحمه الله ما يلي : "... أما كيف هذا التغيير فليس له من سبيل في نظام جمهوري إلا السعي في الانتخابات، وذلك أن نربي الرأي العام في البلاد ونغير مقياس الناس في انتخابات ممثليهم ونصلح طريق الانتخابات ونطرها من اللصوصية والغش والتزوير" (واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم ص61 )
4 ـ وقال الشيخ عبد العزيز بن باز : ( إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى] لذا فلا حرج في الالتحاق بمجلس الشعب إذا كان المقصود من ذلك تأييد الحق، وعدم الموافقة على الباطل، لما في ذلك من نصر الحق، والانضمام إلى الدُعاة إلى الله.كما إنه لا حَرَجَ كذلك في استخراج البطاقة التي يستعان بها على انتخاب الدُعاة الصالحين، وتأييد الحق وأهله، والله الموفق) معوقات تطبيق الشريعة الإسلامية للشيخ مناع القطان ص166
5 ـ أما الشيخ مناع القطان فقد دافع في كتابه (معوقات تطبيق الشريعة الإسلامية) عن مشاركة الحركة الإسلامية في مجلس الشعب وانتقد من هاجمهم لأنهم اعتبروا المشاركة في المجلس كفراً فقال: (والمشاركة في مجلس النواب والبرلمان لا تعني المشاركة في التشريع بغير ما أنزل الله ما دام العضو يعلن على الملأ استنكاره ومعارضته ويبدي حكم الإسلام في ذلك ويجهر في القول في إيمان وشجاعة .. وليس في هذا ما يخل في العقيدة)
6 ـ أما العلامة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي فيؤكد جواز المشاركة بأوسع صورها ويقولوكذلك البحث في الوسائل السياسية في ضوء المستجدات والمتغيرات المحلية والإقليمية والعالمية، وما تقضي به من دخول في جبهات أو تحالفات أو مهادنات أو مشاركات حسبما توجبه المصلحة العليا للإسلام وللأمة) ثم ذكر في موضع آخر: (لقد وقف شعر رأسي حين أطلعني بعض الأخوة على رسالة كتبها بعض المتحمسين من الدعاة عنوانها القول السديد في أن دخول المجلس النيابي ينافي التوحيد وهذا غلط عجيب يدخل مسائل العمل في مسائل العقيدة، ومسائل العمل تدور بين الخطأ والصواب لا بين الإيمان والكفر، فهي من السياسة الشرعية التي يؤجر فيها المجتهد مرتين إن أصاب ومرة إن أخطأ) وانظر ما كتبه الشيخ القرضاوي حفظه الله تعالى في كتابه " من فقه الدولة في الاسلام صفحة 177 وما بعدها .
7 ـ وقال الشيخ الفقيه فيصل المولوي حفظه الله تعالى : " الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد ... الانتخابات في العصر الحاضر، هي وسيلة تعارفت عليها الشعوب لاختيار من يمثلها في شؤون الحكم وادارة البلاد. وقد أصبحت هذه الوسيلة شائعة في أكثر البلاد الإسلامية، وإن كان يدخلها التزوير في كثير من الاحيان بنسبة تقل أو تكثر بحسب أنواع الأنظمة ومدى استبدادها بشعوبها. من الناحية الواقعية: لا بد من وجود سلطة تحكم البلاد، سواء جاءت عن طريق الانتخابات أو الأنقلابات أو الوراثة أو غير ذلك. ومن الناحية الشرعية: إذا أتيح للمسلم أن يعطي رأيه في هذه السلطة فيجب عليه أن يختار السلطة الإسلامية التي تحكم وفق كتاب الله وسنة رسوله، فإن لم يكن بين المرشحين من يدعو لذلك، فعليه أن يختار الأفضل منهم، وإن لم يجد فعليه أن يختار الأقل ضرراً، ولا يصح له الإمتناع عن ابداء رأيه وعن المشاركة في الانتخابات، حتى ولو لم يكن هناك مرشحون إسلاميون، لأن هذا الامتناع سيؤدي إلى اختيار مرشح قد يكون أكثر ضرراً بالنسبة للإسلام والمسلمين. وهذا الحكم مبني على القاعدة الشرعية المعروفة وهي (اختيار أخف الضررين). ... أما الجماعات الإسلامية التي لا تشارك في عمليات الانتخابات فقد فاتها القيام بهذا الواجب، وأمامها واجبات أخرى كثيرة تستطيع أن تقوم بها إن أرادت، لكنها ليست بديلاً عن واجب المشاركة في الانتخابات في رأينا، ولا تزيل عنهم إثم التخلف عن هذه المشاركة، فالقيام بواجب له أجره، والتخلف عن واجب له إثمه (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئاً ولو كان مثقال حبة من خردل أتينا بها، وكفى بنا حاسبين) .
8 ـ وقال الشيخ الدكتور عادل المطيرات :" لا نرى بأسًا من مشاركة الكفار في الانتخابات من باب دفع الضرر عن المسلمين إن كنا في حالة اضطرار بالسكن معهم وإلا فالسكن في بلاد المسلمين أولى وقد يكون هو الواجب إذا حصلت الفتنة في الدين " .
9 ـ وقال الشيخ سلمان العودة عن التصويت : " فإنني أضم صوتي إلى الشيخ الذي ذكرت فتواه بجواز التصويت بل بمشروعيته من باب تخفيف الضرر واختيار الأفضل، وإن كانت المسألة تتدخل فيها عوامل كثيرة كما ذكرت، إلا أنه يبقى أن للتصويت أثراً -ولو كان محدوداً- من باب تحجيم الشر وتقليله والرد على أهله وكشفهم، وطرح المبادرات والحلول الموافقة والمتمشية مع الشريعة وبيان أثرها في صلاح الناس وقبولهم لها ... اختلف فيها العلماء المعاصرون إلى فريقين مشهورين، والرأي الذي اخترته هو الذي اختاره الشيخ رشيد رضا، والشيخ عبد الرحمن السعدي، والشيخ ابن باز وجماعة من أكابر الفقهاء " . فالانتخابات والاقتراع والترشيح لا شيء فيه ولا شك أن هناك ضوابط لذلك ليس الآن موضع بسطها , فعلى المقترع أن يقترع لمن يراه الأفضل وأسأل الله العلي القدير أن يحفظ بلاد المسلمين من كل سوء وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد : فالانتخابات ... الترشيح ... والاقتراع ... حرام ولا يجوز للمسلم أن يشارك فيها. رسالة قرأتها تحمل توقيع أحد الإخوة ... قرأتها واطلعت عليها وعلى مضمونها ... فوجدت فيها مغالطات ... فوقفت حائرًا ماذا أقول أمام هذه الفتاوى ... . وفي فترة قراءتي لهذه الرسالة كنت أقرأ في كتاب : من فقه الدولة في الإسلام للشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله تعالى فرأيته يعاني مما عانيته , فيقول بأنه اطلع على كتاب تحت عنوان : القول السديد ( في أن دخول المجلس النيابي ) مناقض للتوحيد . فقد أدخل الكاتب الفروع في الأصول واختلطت عليه الأمور وجعل هذه القضية من أصول الدين . فقلت لا بد من توضيح هذه المسألة ولو باختصار حتى يكون المسلم على بصيرة من أمر دينه . فجمعت بعض أقوال أهل العلم في المسألة . إن الذي عجبت له أن كاتب الرسالة اعتمد على قوله تعالى : : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } وفي آية أخرى : { فأولئك هم الفاسقون } وآية أخرى : { فأولئك هم الظالمون } . ولم أر الكاتب ذكر أقوال المفسرين في الآية الشريفة , ولم أره ذكر أقوال أهل العلم في الآية الكريمة , فليست الآية على إطلاقها بأن كل من لم يحكم بما أنزل الله تعالى فقد كفر وخرج من الملة ,
قال العلماء في الآية يكون الحكم بغير ما أنزل الله تعالى كفرًا مخرجًا من الملة في حالات عدة منها :
1 ـ أن يجحد أو ينكر أحقيّة حكم الله ورسوله . 2 ـ أن يفضل حكم الطاغوت على حكم الله تعالى . 3 ـ أن يعتقد أنّ الحكم بما أنزل الله ليس بواجب أو أنه مخيّر فيه . أما حكم الحاكم أو القاضي في واقعة ما بغير ما أنزل الله مع اعتقاده بوجوب الحكم بما أنزل الله فهي إثم وحرام ومعصية .
جاء في تفسير الطبري : عن ابن عباس رضي الله عنه قوله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال : من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق . وهناك أقوال عدة في نزول ومعنى الآية انظرها في كتب التفسير . إن المصلحة الشرعية قد تكون مقتضية للتصويت من باب تخفيف الشر وتقليل الضرر ، كما لو كان المرشحون من غير المسلمين لكن أحدهم أقل عداوة للمسلمين من الآخر ، وكان تصويت المسلمين مؤثرًا في الاقتراع فلا بأس بالتصويت له في مثل هذه الحال . وعلى كل حال فهذه من مسائل الاجتهاد المبنية على قاعدة المصالح والمفاسد ينبغي أن يرجع فيها إلى أهل العلم العارفين لضوابط هذا الأصل . وليس لأحد أن يتوهم أن من قال بالتصويت أنه مقرر للكفر مؤيد له ، وإنما ذلك لمصلحة المسلمين لا محبة للكفر وأهله ، وقد فرح المسلمون بانتصار الروم على الفرس ، كما فرح المسلمون في الحبشة بانتصار النجاشي على من نازعه الملك كما هو معروف في السيرة . ولا يجوز أن يتخذ الخلاف في حكم الانتخابات، ودخول البرلمانات خلافاً في الأصول، فإنها من المسائل الاجتهادية التي ليس في منعها نص قطعي حتى نجعلها من مسائل الأصول فإن دخول البرلمانات يتوقف على جلب المصلحة، ودفع المفسدة . إن من يريد أن يفتي في دين الله تعالى في هكذا مسائل لا بد له من أمور :
1 ـ أن يكون عالمًا بعلم بأصول الفقه .
2 ـ وعلى علم بالقواعد الفقهية عامة وبالقواعد المتعلقة بالمصالح والمفاسد على وجه خاص .
3 + 4 ـ أن يكون على دراية بفقه الأولويات , وفقه الموازنات .
5 ـ أن يكون فاهمًا لمقاصد الشريعة . فمن ألمّ بهذه الأمور جاز له أن يتكلم في مسائل هامة كهذه بالإضافة الى ما ينبغي أن يتصف به المفتي من العلم .
أقوال أهل العلم في حكم المشاركة في الانتخابات النيابية :
1 ـ أما الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله فقد ذكر في رسالته عن نظام الحكم في الإسلام أنه: "يقوم على مسؤولية الحاكم ووحدة الأمة واحترام إرادتها ولا عبرة بعد ذلك بالأسماء والأشكال، وذكر أننا في حياتنا العصرية قد نقلنا عن أوروبا هذا النظام النيابي الذي تعيش في ظله حكوماتنا الآن، ثم ذكر أن هذا النظام النيابي يقوم على مسؤولية الحاكم وسلطة الأمة واحترام إرادتها، وعلى هذا فليس في قواعد هذا النظام النيابي ما يتنافى مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم، وهو بهذا الاعتبار ليس بعيداً عن النظام الإسلامي ولا غريباً عنه" (مجموعة رسائل الإمام الشهيد عن رسالة نظام الحكم) يقول الدكتور رئيس المجلس العلمي للجماعة الإسلامية بلبنان معلقا:يفهم من هذا أن الإمام البنا – رحمه الله – يعتبر النظام النيابي مجرد وسيلة ويطالب بتصحيح هذه الوسيلة واستعمالها من أجل الوصول إلى حكم إسلامي ولذلك فقد رشح نفسه لدخول المجلس النيابي مرتين ولكن القوى الاستعمارية لم تتح له ذلك.وإذا كان كلام غيره من العلماء ينص على جواز الدخول في المجالس النيابية فقد كان رأيه واضحاً في اعتبار هذه المجالس وسيلة يمكن الاستفادة منها في الدعوة أو في تطبيق الشريعة الإسلامية.
2 ـ وقد سئل الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله عن حكم الانتخابات ، فأجاب : " أنا أرى أن الانتخابات واجبة ، يجب أن نعين من نرى أن فيه خيراً ، لأنه إذا تقاعس أهل الخير ، مَنْ يحل محلهم ؟ سيحل محلهم أهل الشر ، أو الناس السلبيون الذين ما عندهم خير ولا شر ، أتباع كل ناعق ، فلابد أن نختار من نراه صالحاً . فإذا قال قائل : اخترنا واحداً لكن أغلب المجلس على خلاف ذلك . قلنا : لا مانع ، هذا الواحد إذا جعل الله فيه البركة وألقى كلمة الحق في هذا المجلس سيكون لها تأثير ولا بد ، لكن الذي ينقصنا الصدق مع الله ، نعتمد على الأمور المادية الحسية ولا ننظر إلى كلمة الله عز وجل .... فَرَشِّحْ مَنْ ترى أنه خير ، وتوكل على الله " انتهى باختصار.
3 ـ ذكر الإمام أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان رحمه الله ما يلي : "... أما كيف هذا التغيير فليس له من سبيل في نظام جمهوري إلا السعي في الانتخابات، وذلك أن نربي الرأي العام في البلاد ونغير مقياس الناس في انتخابات ممثليهم ونصلح طريق الانتخابات ونطرها من اللصوصية والغش والتزوير" (واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم ص61 )
4 ـ وقال الشيخ عبد العزيز بن باز : ( إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى] لذا فلا حرج في الالتحاق بمجلس الشعب إذا كان المقصود من ذلك تأييد الحق، وعدم الموافقة على الباطل، لما في ذلك من نصر الحق، والانضمام إلى الدُعاة إلى الله.كما إنه لا حَرَجَ كذلك في استخراج البطاقة التي يستعان بها على انتخاب الدُعاة الصالحين، وتأييد الحق وأهله، والله الموفق) معوقات تطبيق الشريعة الإسلامية للشيخ مناع القطان ص166
5 ـ أما الشيخ مناع القطان فقد دافع في كتابه (معوقات تطبيق الشريعة الإسلامية) عن مشاركة الحركة الإسلامية في مجلس الشعب وانتقد من هاجمهم لأنهم اعتبروا المشاركة في المجلس كفراً فقال: (والمشاركة في مجلس النواب والبرلمان لا تعني المشاركة في التشريع بغير ما أنزل الله ما دام العضو يعلن على الملأ استنكاره ومعارضته ويبدي حكم الإسلام في ذلك ويجهر في القول في إيمان وشجاعة .. وليس في هذا ما يخل في العقيدة)
6 ـ أما العلامة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي فيؤكد جواز المشاركة بأوسع صورها ويقولوكذلك البحث في الوسائل السياسية في ضوء المستجدات والمتغيرات المحلية والإقليمية والعالمية، وما تقضي به من دخول في جبهات أو تحالفات أو مهادنات أو مشاركات حسبما توجبه المصلحة العليا للإسلام وللأمة) ثم ذكر في موضع آخر: (لقد وقف شعر رأسي حين أطلعني بعض الأخوة على رسالة كتبها بعض المتحمسين من الدعاة عنوانها القول السديد في أن دخول المجلس النيابي ينافي التوحيد وهذا غلط عجيب يدخل مسائل العمل في مسائل العقيدة، ومسائل العمل تدور بين الخطأ والصواب لا بين الإيمان والكفر، فهي من السياسة الشرعية التي يؤجر فيها المجتهد مرتين إن أصاب ومرة إن أخطأ) وانظر ما كتبه الشيخ القرضاوي حفظه الله تعالى في كتابه " من فقه الدولة في الاسلام صفحة 177 وما بعدها .
7 ـ وقال الشيخ الفقيه فيصل المولوي حفظه الله تعالى : " الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد ... الانتخابات في العصر الحاضر، هي وسيلة تعارفت عليها الشعوب لاختيار من يمثلها في شؤون الحكم وادارة البلاد. وقد أصبحت هذه الوسيلة شائعة في أكثر البلاد الإسلامية، وإن كان يدخلها التزوير في كثير من الاحيان بنسبة تقل أو تكثر بحسب أنواع الأنظمة ومدى استبدادها بشعوبها. من الناحية الواقعية: لا بد من وجود سلطة تحكم البلاد، سواء جاءت عن طريق الانتخابات أو الأنقلابات أو الوراثة أو غير ذلك. ومن الناحية الشرعية: إذا أتيح للمسلم أن يعطي رأيه في هذه السلطة فيجب عليه أن يختار السلطة الإسلامية التي تحكم وفق كتاب الله وسنة رسوله، فإن لم يكن بين المرشحين من يدعو لذلك، فعليه أن يختار الأفضل منهم، وإن لم يجد فعليه أن يختار الأقل ضرراً، ولا يصح له الإمتناع عن ابداء رأيه وعن المشاركة في الانتخابات، حتى ولو لم يكن هناك مرشحون إسلاميون، لأن هذا الامتناع سيؤدي إلى اختيار مرشح قد يكون أكثر ضرراً بالنسبة للإسلام والمسلمين. وهذا الحكم مبني على القاعدة الشرعية المعروفة وهي (اختيار أخف الضررين). ... أما الجماعات الإسلامية التي لا تشارك في عمليات الانتخابات فقد فاتها القيام بهذا الواجب، وأمامها واجبات أخرى كثيرة تستطيع أن تقوم بها إن أرادت، لكنها ليست بديلاً عن واجب المشاركة في الانتخابات في رأينا، ولا تزيل عنهم إثم التخلف عن هذه المشاركة، فالقيام بواجب له أجره، والتخلف عن واجب له إثمه (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئاً ولو كان مثقال حبة من خردل أتينا بها، وكفى بنا حاسبين) .
8 ـ وقال الشيخ الدكتور عادل المطيرات :" لا نرى بأسًا من مشاركة الكفار في الانتخابات من باب دفع الضرر عن المسلمين إن كنا في حالة اضطرار بالسكن معهم وإلا فالسكن في بلاد المسلمين أولى وقد يكون هو الواجب إذا حصلت الفتنة في الدين " .
9 ـ وقال الشيخ سلمان العودة عن التصويت : " فإنني أضم صوتي إلى الشيخ الذي ذكرت فتواه بجواز التصويت بل بمشروعيته من باب تخفيف الضرر واختيار الأفضل، وإن كانت المسألة تتدخل فيها عوامل كثيرة كما ذكرت، إلا أنه يبقى أن للتصويت أثراً -ولو كان محدوداً- من باب تحجيم الشر وتقليله والرد على أهله وكشفهم، وطرح المبادرات والحلول الموافقة والمتمشية مع الشريعة وبيان أثرها في صلاح الناس وقبولهم لها ... اختلف فيها العلماء المعاصرون إلى فريقين مشهورين، والرأي الذي اخترته هو الذي اختاره الشيخ رشيد رضا، والشيخ عبد الرحمن السعدي، والشيخ ابن باز وجماعة من أكابر الفقهاء " . فالانتخابات والاقتراع والترشيح لا شيء فيه ولا شك أن هناك ضوابط لذلك ليس الآن موضع بسطها , فعلى المقترع أن يقترع لمن يراه الأفضل وأسأل الله العلي القدير أن يحفظ بلاد المسلمين من كل سوء وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .