المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل يجب على الزوجة أن تخدم زوجها ؟


أبو عثمان
06-26-2009, 08:03 PM
كتبه: علي عثمان جرادي ـ خطيب مسجد الروضة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
فإن قضايا المرأة كثيرة ومتشعبة، والكلام فيها يحتاج الى بحث دقيق، وعمق في فهم النصوص، بل لا بد من فهم للواقع الذي يعيشه من يريد أن يتكلم في أمورها عامة والاجتماعية خاصة، ومنذ سنوات كتبت بحثًا حول مصافحة المرأة للرجال، وحول إمامتها بالرجال وحققت الكلام فيهما، ومنذ مدة كتبت رسالة مختصرة حول خروجها من بيتها، والآن أود أن أثير هذه القضية التي جهلها كثير من نسائنا.
إنني أعلم أن بعض القراء سيقول بينه وبين نفسه أو على ملأ من الناس إن كاتب هذه الصفحات يعيش في القرون الأولى أيتناول موضوع خروج المرأة من بيتها أو موضوع خدمة المرأة زوجها في عصر الانفتاح !!! أيعيش الكاتب في عصر يسير فيه الناس على الحمير، أيعيش بين الأوراق الصفراء ؟!.
أقول لك أخي الحبيب لا والله لا أعيش في عصر البغال والحمير إنما أعيش في عصري ووقتي ولكن أحزنني ما رأيت، وأبكاني ما لمحت.
إن من جملة ما اهتممت به هو فقه الواقع فقرأت في فقه الأولويات، وفقه الموازنات، وقرأت أصول الفقه بل وألفت كتابًا بالأصول والحمد له، ولكن أهمني ما رأيته من تساهل بأحكام الدين. التي ظنها الناس مبنية على العرف وجهلوا أنها أوامر ونواه من جملة الأوامر والنواهي الشرعية.
إخوتي أخواتي لا بد أن نفرق بين الثوابت التي لاتتغير ولا تتبدل بتغير الزمان والمكان، وبين المسائل المبينة على الأعراف فإذا تغير العرف تغير الحكم.
إن الموضوع الذي أثرته في المرة الماضية وهو خروج المرأة من بيتها لغير حاجة ولا ضرورة وحكمه، ليس مبينًا على الأعراف حتى يتغير بتغير الزمان والمكان، بل فيه أدلة شرعية ونصوص من الكتاب والسنة.
والآن أثير قضية مهمة جدًا وهي خدمة المرأة زوجها، هل واجبة عليها أم لا ؟.
إن دعاة تحرير المرأة وأصفهم بما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: بأنهم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيهاكما في الصحيحين. أرادوا أن يحرروا المرأة من سلطة الرجل بزعمهم، فأثاروا هذه القضية وغيرها من القضايا. ومع مرور الزمن ظن كثير من نسائنا أن ديننا يدعو الى ما يدعيه دعاة التحرير كذبًا وزورًا.فقد قالوا لها: لا بد من الاستقلالية، ولا بد لك أن تزاحمي الرجال في ميدان العمل، ولا بد لك من التشبه بالرجال.....
فبالله عليكم هل الإسلام يجيز للمرأة أن تذهب الى مسبح الرجال ؟! وللأسف حتى كثير من أخواتنا المحجبات يلبسن البطلون وينزلن الى أماكن سباحة الرجال فهل الإسلام يقر هذا أو يبيحه بحال من الأحوال !!! والأدهى من ذلك والأمر أن تكون هذه الفتاة أو تلك ممن يوجه أبناءنا ويربيهم، ويحضرني هنا قول الشاعر:
إذا كان رب البيت بالدف ضاربًا فشيمة أهل البيت الرقص
فالدعاة الى التحرير زرعوا في عقل المرأة أنها متساوية مع الرجل فلماذا تخدم المرأة زوجها ؟! ونقول لهؤلاء إن الله تعالى يقول: { وليس الذكر كالأنثى } فكيف تكون المرأة كالرجل ؟؟؟!!!
فالمرأة مرأة والرجل رجل، ولن يتساويا أبدًا، فكل منهما خلقه الله تعالى وأعطاه ما يتلاءم مع طبيعته. وقد أثبتت دراسات كثيرة بأن المرأة تختلف طبيعتها عن الرجل من جوانب كثيرة. { قال فمن ربكما يا موسى، قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى }
فلنعد الى موضوعنا هل يجب على المرأة أن تخدم زوجها ؟؟
إن المرأة قديمًا كثيرًا ما يكون عندها خادم يخدمها والسبب في ذلك أنه قد شاعت ظاهرة الخدم والإماء ، وكانت المرأة لا تخدم بحكم كثرة وجود الإماء والخدم، والأمة كانت تشتريها الزوجة ، ومن يقرأ ما كتب في تراثنا في أسعار العبيد وشرائهم يعلم أن الأمة كلما كانت بشعة كان سعرها أغلى ، لأن المرأة هي التي تختارها...
فقال بعض أهل العلم قديماً: ليس على المرأة خدمة زوجها كما سيأتي معنا إن شاء الله تعالى، وهذا الكلام ليس بصحيح كما سأبين بإذن الله.
فلماذا قال العلماء لا يجب على المرأة خدمة زوجها ؟
أقول إن الأمر لعله كان مبينًا على العرف فبوجود الإماء كانت المرأة لا تقوم على الخدمة، لأنني حاولت أن أحظى بدليل معتبر اعتمدوا عليه فلم أجد مع قصوري، وكلام المالكية مقيد بأن تكون المرأة من أشراف الناس فلا يجب عليها الخدمة وسيأتي كلامهم إن شاء الله.
وبما أن المسألة مبينة على أعرافهم فإذا تغير العرف يتغير الحكم. هذا رأي من يقول بعدم وجوب الخدمة.
أما القائلون بوجوب أن تخدم المرأة زوجها وبيتها فلا أقول بأن كلامهم مبني على العرف بل على أدلة عدة سأذكرها إن شاء تعالى.
مذاهب العلماء:
المذهب الأول: وهم الذين لا يوجبون خدمة الزوج:
1 ـ جاء في تفسير القرطبي: " قال ابن خويز منداد واختلف أصحابنا هل على الزوجة خدمة أو لا ؟ فقال بعض أصحابنا: ليس على الزوجة خدمة ؟ وذلك أن العقد يتناول الاستمتاع لا الخدمة ألا ترى أنه ليس بعقد إجارة ولا تملك رقبة وإنما هو عقد على الاستمتاع والمستحق بالعقد هو الاستمتاع دون غيره فلا تطالب بأكثر منه ألا ترى إلى قوله تعالى: { فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا } [ النساء: 34 ] " اهـ
2 ـ وجاء في "الموسوعة الفقهية الكويتية" (19/44): " لا خلاف بين الفقهاء في أن الزوجة يجوز لها أن تخدم زوجها في البيت ، سواء أكانت ممن تخدم نفسها أو ممن لا تخدم نفسها. إلا أنهم اختلفوا في وجوب هذه الخدمة: فذهب الجمهور ( الشافعية والحنابلة وبعض المالكية ) إلى أن خدمة الزوج لا تجب عليها لكن الأولى لها فعل ما جرت العادة به " اهـ
3 ـ وقال القرطبي في بداية المجتهد: " والجمهور على أن على الزوج النفقة لخادم الزوجة إذا كانت ممن لا تخدم نفسها وقيل بل على الزوجة خدمة " اهـ
المذهب الثاني: وهم الذين يوجبون على المرأة أن تخدم زوجها:
1 ـ جاء في "الموسوعة الفقهية الكويتية" (19/44): " وذهب جمهور المالكية وأبو ثور ، وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو إسحاق الجوزجاني ، إلى أن على المرأة خدمة زوجها في الأعمال الباطنة التي جرت العادة بقيام الزوجة بمثلها ؛ لقصة علي وفاطمة رضي الله عنها ، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى على ابنته فاطمة بخدمة البيت ، وعلى علي بما كان خارج البيت من الأعمال ، ولحديث: ( لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ، ولو أن رجلاً أمر امرأته أن تنقل من جبل أحمر إلى جبل أسود ، ومن جبل أسود إلى جبل أحمر لكان نولها [حقها] أن تفعل ). قال الجوزجاني: فهذه طاعته فيما لا منفعة فيه فكيف بمؤنة معاشه. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر نساءه بخدمته فيقول: يا عائشة أطعمينا ، يا عائشة هلمي المدية واشحذيها بحجر. وقال الطبري: إن كل من كانت لها طاقة من النساء على خدمة بيتها في خبز ، أو طحن ، أو غير ذلك أن ذلك لا يلزم الزوج ، إذا كان معروفا أن مثلها يلي ذلك بنفسه " انتهى.
2 ـ جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية (30/126): أيضاً في بيان مذهب المالكية السابق: "... إلا أن تكون من أشراف الناس فلا تجب عليها الخدمة ، إلا أن يكون زوجها فقير الحال " انتهى.
3 ـ وجاء فيها ويتأكد القول بلزوم الخدمة على المرأة إذا جرت العادة به ، وتزوجت دون أن تشترط ترك الخدمة ، لأن زواجها كذلك يعني قبولها الخدمة ؛ لأن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، وقد رجح جماعة من أهل العلم القول بوجوب خدمة الزوجة لزوجها وذكروا أدلة ذلك.
4 ـ قال ابن تيمية رحمه الله: "وتجب خدمة زوجها بالمعروف من مثلها لمثله ، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال ، فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية ، وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة. وقاله الجوزجاني من أصحابنا وأبو بكر بن أبي شيبة" انتهى."الاختيارات" ص 352
5 ـ وجاء في تفسير القرطبي: قال ابن خويز منداد: " وقال بعض أصحابنا: عليها خدمة مثلها فإن كانت شريفة المحل ليسار أبوة أو ترفه فعليها التدبير للمنزل وأمر الخادم وإن كانت متوسطة الحال فعليها أن تفرش ونحو ذلك وإن كانت دون ذلك فعليها أن تقم البيت وتطبخ وتغسل وإن كانت من نساء الكرد والديلم والجبل في بلدهن كلفت ما يكلفه نساؤهم وذلك أن الله تعالى قال: { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر وحديثه بما ذكرنا ألا ترى أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يتكلفون الطحين والخبيز والطبيخ وفرش الفراش وتقريب الطعام وأشباه ذلك ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك ولا يسوغ لها الامتناع بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصرن في ذلك ويأخذونهن بالخدمة فلولا أنها مستحقة لما طالبوهن ذلك " اهـ
6 ـ وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي: " ومن حقوق الزوجة على زوجها وهي الحقوق المادية الخدمة ، والمراد بذلك خدمة المرأة لزوجها فإن الله-عز وجل - فطر المرأة وخلقها وجعل فيها خصائص صالحة للقيام بشؤون البيت وتدبيره ورعاية أموره فإذا قامت المرأة بخدمة بيت الزوجية كما ينبغي قرت عين الزوج ورضي زوجها وأحس أن بيته قد حفظ حقه ورعيت مصالحه فيرتاح وترتاح نفسه ، وقد أشار الله تعالى إلى هذا من مجمل قوله: { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ } أي على النساء حقوق كما أن على الرجال حقوق ".
7 ـ يقول الشيخ مشهور حسن آل سلمانِ: " الواجب على المرأة خدمة زوجها الخدمة التي تجب على مثلها لمثله، وليس الزوج المضياف كغير المضياف، فإن كان مضيافاً فعليها خدمة زائدة ، وهذا الحد يعتد به بالعرف والعادة، وكما يقولون: العادة محكمة، وهذه قاعدة من القواعد الخمس الكلية التي يدور عليها الفقه في جل مسائله، أما القول بأن الخدمة ليست واجبة في حق المرأة فإنه يعطل هذه النصوص ، فالمرأة إن قصرت في خدمة زوجها فهي آثمة، وهذا أرجح الأقوال، والله أعلم.. ".
8 ـ قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد 5/186: " فصل: في حكم النبي صلى الله عليه وسلم في خدمة المرأة لزوجها: قال ابن حبيب في "الواضحة": حكم النبي صلى الله عليه وسلم بين على بن أبى طالب رضي الله عنه ، وبين زوجته فاطمة رضي الله عنها حين اشتكيا إليه الخدمة ، فحكم على فاطمة بالخدمة الباطنة ، خدمة البيت ، وحكم على علي بالخدمة الظاهرة ، ثم قال ابن حبيب: والخدمة الباطنة: العجين ، والطبخ ، والفرش ، وكنس البيت ، واستقاء الماء ، وعمل البيت كله. فاختلف الفقهاء في ذلك ، فأوجب طائفة من السلف والخلف خدمتها له في مصالح البيت ، وقال أبو ثور: عليها أن تخدم زوجها في كل شيء. ومنعت طائفة وجوب خدمته عليها في شيء ، وممن ذهب إلى ذلك مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وأهل الظاهر ، قالوا: لأن عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع ، لا الاستخدام وبذل المنافع ، قالوا: والأحاديث المذكورة إنما تدل على التطوع ومكارم الأخلاق ، فأين الوجوب منها ؟ واحتج من أوجب الخدمة بأن هذا هو المعروف عند من خاطبهم الله سبحانه بكلامه ، وأما ترفيه المرأة ، وخدمة الزوج ، وكنسه ، وطحنه ، وعجنه ، وغسيله ، وفرشه ، وقيامه بخدمة البيت ، فمن المنكر ، والله تعالى يقول: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) البقرة/228 ، وقال: ( الرجال قوامون على النساء ) النساء/34 ، وإذا لم تخدمه المرأة ، بل يكون هو الخادم لها ، فهي القوامة عليه. وأيضا: فإن المهر في مقابلة البضع ، وكل من الزوجين يقضي وطره من صاحبه ، فإنما أوجب الله سبحانه نفقتها وكسوتها ومسكنها في مقابلة استمتاعه بها وخدمتها ، وما جرت به عادة الأزواج. وأيضا: فإن العقود المطلقة إنما تنزّل على العرف ، والعرف خدمة المرأة ، وقيامها بمصالح البيت الداخلة ، وقولهم: إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرعًا وإحسانًا يردّه أن فاطمة كانت تشتكى ما تلقى من الخدمة ، فلم يقل لعلي: لا خدمة عليها ، وإنما هي عليك ، وهو صلى الله عليه وسلم لا يحابى في الحكم أحدًا ، ولما رأى أسماء والعلف على رأسها ، والزبير معه ، لم يقل له: لا خدمة عليها ، وإن هذا ظلم لها ، بل أقره على استخدامها ، وأقر سائر أصحابه على استخدام أزواجهم مع علمه بأن منهن الكارهة والراضية ، هذا أمر لا ريب فيه. ولا يصح التفريق بين شريفة ودنيئة ، وفقيرة وغنية ، فهذه أشرف نساء العالمين كانت تخدم زوجها ، وجاءته صلى الله عليه وسلم تشكو إليه الخدمة ، فلم يشكها ، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المرأة عانية ، فقال: ( اتقوا الله في النساء ، فإنهن عوانٍ عندكم) ، والعانى: الأسير ، ومرتبة الأسير خدمة من هو تحت يده ، ولا ريب أن النكاح نوع من الرق ، كما قال بعض السلف: النكاح رق ، فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته ، ولا يخفى على المنصف الراجح من المذهبين ، والأقوى من الدليلين " انتهى.
9 ـ وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: " أما خدمتها لزوجها فهذا يرجع إلى العرف ، فما جرى العرف بأنها تخدم زوجها فيه وجب عليها خدمته فيه ، وما لم يجرِ به العرف لم يجب عليها ، ولا يجوز للزوج أن يلزم زوجته بخدمة أمه أو أبيه أو أن يغضب عليها إذا لم تقم بذلك ، وعليه أن يتقي الله ولا يستعمل قوته ، فإن الله تعالى فوقه ، وهو العلي الكبير عز وجل ، قال الله تعالى: ( فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ) " انتهى من "فتاوى نور على الدرب".
10 ـ وقال في "الشرح الممتع" (12/441): " والصحيح أنه يلزمها أن تخدم زوجها بالمعروف " انتهى.
11 ـ وسئل الشيخ ابن جبرين حفظه الله: " هل من الواجب على الزوجة أن تطبخ الطعام لزوجها ؟ وإن هي لم تفعل ، فهل تكون عاصية بذلك ؟
فأجاب: "لم يزل عُرْف المسلمين على أن الزوجة تخدم زوجها الخدمة المعتادة لهما في إصلاح الطعام وتغسيل الثياب والأواني وتنظيف الدور ونحوه ، كلٌّ بما يناسبه ، وهذا عرف جرى عليه العمل من العهد النبوي إلى عهدنا هذا من غير نكير ، ولكن لا ينبغي تكليف الزوجة بما فيه مشقَّة وصعوبة ، وإنما ذلك حسب القدرة والعادة ، والله الموفق " انتهى من "فتاوى العلماء في عشرة النساء" ص 20.
12 ـ فذهب الحنفية إلى وجوب خدمة المرأة لزوجها ديانةً لا قضاءً ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قَسَّم الأعمال بين علي وفاطمة رضي الله عنهما ، فجعل عمل الداخل على فاطمة ، وعمل الخارج على علي ، ولهذا فلا يجوز للزوجة - عندهم - أن تأخذ من زوجها أجرًا من أجل خدمتها له.
أدلة القائلين بوجوب الخدمة:
1 ـ قال تعالى: { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} الدكتور يوسف القرضاوي يرى أن خدمة المرأة لزوجها: و المعروف عند من خاطبهم الله تعالى بكلامه، أما ترفيه المرأة وقيام الرجل بالخدمة - الكنس والطحن والعجن والخبز والغسل... إلخ، فهذا ليس من المعروف وبخاصة أن الرجل يعمل ويكدح خارج البيت فمن العدل أن تعمل المرأة داخله.
وللنساء حقوق كما أن للرجال عليهن حقوقاً بالمعروف ، والمعروف إما أن يكون العرف كما يقول جماهير العلماء فيرجع إليه ويحتكم إليه فعرف الصالحين وعرف المسلمين في كل زمان ومكان أن المرأة تخدم بيت زوجها فانظر إلى أمهات المؤمنين كن يقمن على خدمة بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
2 ـ ففي الصحيحين: أن فاطمة رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى في يديها من الرحى ، وتسأله خادما فلم تجده ، فذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها ، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته قال علي: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا ، فذهبنا نقوم ، فقال: ( مكانكما ، فجاء فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على بطني ، فقال: ألا أدلكما على ما هو خير لكما مما سألتما ؟ إذا أخذتما مضاجعكما فسبحا الله ثلاثا وثلاثين ، واحمدا ثلاثا وثلاثين ، وكبرا أربعا وثلاثين ، فهو خير لكما من خادم. قال علي: فما تركتها بعد ، قيل: ولا ليلة صفين ؟ قال: ولا ليلة صفين ).
قال العيني في عمدة القاري: "وهذا يدل على أن فاطمة رضي الله تعالى عنها كانت تطحن والتي تطحن تعجن وتخبز وهذا من جملة عمل المرأة في بيت زوجها ".
فها هي فاطمة رضي الله عنها تخدم زوجها حتى أن يدها تقرحت بسبب طحنها للنوى وليس هناك أفضل من أمهات المؤمنين وبنات النبي عليه الصلاة والسلام.
وقولهم: إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرعًا وإحسانًا: يرده أن فاطمة كانت تشتكي ما تلقى من الخدمة ، فلم يقل لعليٍّ: لا خدمة عليها ، وإنما هي عليك ، وهو صلى الله عليه وسلم لا يحابي الحكم أحدًا.
3 ـ وعن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد فأتي به فقال لها ( يا عائشة هلمي المدية ).. ثم قال ( اشحذيها بحجر ) ففعلت. مسلم
4 ـ وصح عن أسماء رضي الله عنها أنها قالت: كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله ، وكان له فرس وكنت أسوسه ، وكنت أحتش له ، وأقوم عليه. وصح عنها أنها كانت تعلف فرسه ، وتسقى الماء ، وتخرز الدلو وتعجن ، وتنقل النوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ.
5 ـ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( انطلقوا بنا إلى بيت عائشة رضي الله عنها فانطلقنا فقال: يا عائشة أطعمينا .. ثم قال: يا عائشة اسقينا ) أبو داود
6 ـ ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت يزيد الأنصارية لما قالت له:
إن الرجال فضلوا علينا بالجمع والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحج والعمرة والرباط.. قال: ( انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعّل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته وإتباعها موافقته يعدل ذلك كله ) البيهقي في شعب الإيمان.
7 ـ قال الطبري عند تفسير قوله تعالى:{فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين} قال: (فلما رآهم إبراهيم أجلهم فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فذبحه ثم شواه في الرضف فهو الحنيذ حين شواه وأتاهم فقعد معهم وقامت سارة تخدمهم فذلك حين يقول وامرأته قائمة وهو جالس) وهذه الخدمة عند الحرة شرف وتكريم بها تتحقق للمرأة أنوثتها.. وتعلو عند الزوج منزلتها.. " اهـ
8 ـ وفي الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: ( كن نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم سواكه وطهوره فيبعثه الله من الليل ما يشاء )
9 ـ وفي صحيح البخاري قالت ميمونة: ( وضعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ماء يغتسل به )
10 ـ وعن سليمان بن يسار قال سألت عائشة عن المني يصيب الثوب فقالت: كنت أغسله من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخرج إلى الصلاة وأثر الغسل في ثوبه بقع الماء. البخاري
11 ـ عن حصين بن محصن قال: ( حدثتني عمتي قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الحاجة فقال: أي هذه أذات بعل أنت ؟ قلت: نعم قال: كيف أنت له ؟ قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه قال: فأين أنت منه فإنما هو جنتك و نارك ) الحاكم
معنى آلوه: أي لا تردد في طاعته. قال الشيخ الألباني: (قلتُ والحديث ظاهر الدلالة على وجوب طاعة الزوجة لزوجها وخدمتها إياه في حدود استطاعتها ، ومما لا شك فيه أن من أول ما يدخل في ذلك الخدمة في منزله وما يتعلق به من تربية أولاده ونحو ذلك)
12 ـ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( والمرأة راعية في بيت زوجها ) البخاري ومسلم
1 ـ جاء في تحفة الأحوذي: " أي بحسن تدبير المعيشة والنصح له والشفقة والأمانة وحفظ نفسها وماله وأطفاله وأضيافه ( هي مسؤولة عنه ) أي عن بيت زوجها هل قامت بما عليها أو لا".
2 ـ وقال ابن حجر في الفتح : "ورعاية المرأة تدبير أمر البيت والأولاد والخدم والنصيحة للزوج في كل ذلك "
فالواجب على المرأة أن تعمل في بيت زوجها, وقد ترجم البخاري في صحيحه: باب عمل المرأة في بيت زوجها قال العيني أي هذا باب في بيان عمل المرأة في بيت زوجها.
فأورد فيه حديث علي رضي الله عنه في طلب فاطمة رضي الله عنها الخادم. وفي رواية أبي داود: قال صلى الله عليه وسلم: ( اتقي الله يافاطمة وأدي فريضة ربك واعملي عمل أهلك فإذا أخذت مضجعك فسبحي ثلاثًا وثلاثين واحمدي ثلاثًا وثلاثين وكبري أربعًا وثلاثين فتلك مائة فهي خير لك من خادم، قالت رضيت عن الله عزوجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم ) قال العيني في عمدة القاري: "وهذا يدل على أن فاطمة رضي الله تعالى عنها كانت تطحن والتي تطحن تعجن وتخبز وهذا من جملة عمل المرأة في بيت زوجها ".
13 ـ وقد سمّى النبي صلّى الله عليه وسلم المرأةَ عانيةً فقال: ( اتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ فَإنَّهُنَّ عَوانٍ عِنْدَكُم ) رواه الترمذي بلفظ آخر، والعاني في اللغة العربية تعني: الأسير ومرتبة الأسير خدمة مَن هو تحت يده. زاد المعاد
فإذا لم تقم الزوجة بأعمال البيت ، فمن الذي سيقوم بها ؟ والزوج مشغول سائر يومه بالكسب ، وأكثر الناس لا يستطيع دفع أجرة للخادمة.
ولو أن النساء امتنعن عن الخدمة ، لأعرض الرجال عن الزواج منهن ، أو اشترطوا عليهن الخدمة في عقد النكاح ، ليزول الإشكال.
فإذا أرادت النساء أن يأخذن بقول من قال بعدم وجوب الخدمة نقول لها لا بد لك أن تعلمي أمرين:
الأول: أن الأمر كما سبق وبينت أن الأمر مبني على العرف، والعرف في أيامنا يقول بأن الخدمة على الزوجة بالإضافة الى أن هناك أدلة شرعية استدل بها من أوجب الخدمة.
والثاني: أن القائلين بعدم وجوب الخدمة قالوا بأن المرأة إذا مرضت فلا يجب على الرجل أن يعالجها، وذلك لأن النفقة الواجبة تشمل الطعام والكسوة والسكن فقط.
1 ـ فبالنسبة للمذهب الحنفي، جاء في حاشية ابن عابدين: " أن النفقة هي الطعام والكسوة والسكن " فلا يجب على الزوج غير هذه الأشياء الثلاثة، وصرح الكاساني كما في البدائع بأن الزوجة لو مرضت في الحضر كانت المداواة عليها لا على الزوج.
2 ـ وبالنسبة للمذهب المالكي: قال الخرشي في شرحه على مختصر خليل: " كذلك لا يلزمه الدواء عند مرضها لا أعياناً ولا أثماناً ومنه أجرة الطبيب ".
3 ـ وبالنسبة للمذهب الشافعي صرح إمام المذهب أن الزوج لا يكلف غير الطعام العام ببلده الذي يقتاته مثلها، ومن الكسوة والأدم بقدر ذلك ونقل عنه الماوردي قوله: ليس على رجل أن يضحي لامرأته ولا يؤدي عنها أجر طبيب ولا حجام. انظر الحاوي الكبير
4 ـ وبالنسبة للمذهب الحنبلي ذكر ابن قدامة في المغني أن الزوج لا يجب عليه شراء الأدوية ولا أجرة الطبيب، لأنه يراد لإصلاح الجسم فلا يلزمه •••• وتجب عليه كسوتها بإجماع أهل العلم " اهـ
ولكننا نقول وبكل شجاعة إن هذا الكلام مبني على أعرافهم فتغير العرف اليوم وأصبح العلاج من الضرورات، وقد قال تعالى: { وعاشروهن بالمعروف } وهل من المعروف أن يترك زوجته مريضة دون علاج وهي محبوسة في بيته لا تكتسب وإنما تقوم على خدمة بيتها.
فلعل كلام الأئمة الأربعة رضي الله عنهم كان مبينيًا على أعرافهم. أما الآن فقد تغير هذا العرف وأصبح العلاج من جملة النفقة.
فقد أخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أما تغيب عثمان عن بدر، فإنه كانت تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه، فثبت بهذا أن تمريض الزوج زوجته هو عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ودأب الصحابة مع زوجاتهم، وأنه يتقدم سائر ما تحتاجه الزوجة في غير حال مرضها •
وختامًا: نقول عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة ) الترمذي، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من امرأة يطلب منها زوجها حاجة فتأبى فيبيت وهو عليها غضبان إلا باتت تلعنها الملائكة حتى تصبح ) الطبراني في الأوسط
ومن هنا نقول النكاح قيد فلينظر أحدكم أين يضع ابنته كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه، فلا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها إلا بإذنه، ولا تأذن إلا بإذنه، ولا تقصر في حقه ولا خدمته وخدمة بيته، وطاعته سبب في اكتساب رضاه، ورضاه سبب في دخولها الجنة، وسخطه سبب في دخولها الناس، فهو الجنة لزوجها، وهو النار لها، فلتنظر المرأة الى نفسها، هل تريد أن تدخل به الجنة أم تريد أن تدخل به النار ؟؟؟؟؟
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.