أبو عثمان
01-18-2008, 08:03 AM
صيدا - كتبه خادم العلماء: أبو عثمان
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, وبعد:
فقد أسفت وما لي لا آسف لما صدر عن سماحة مفتي الديار المصرية الشيخ الدكتور علي جمعة حفظه الله تعالى حول الفتاوى التي أفتى بها منذ أيام ومنها فتوى المفتي حول لبس "البنطلون" فأجاب: بحسب جريدة "المدينة" السعودية: "أن الرسول صلى الله عليه وسلم أحل لبس المرأة للبنطلون" مشيراً إلى رواية تقول أن امرأة كانت تركب دابة فسقطت من عليها فغض رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره فقال له الصحابة يا رسول الله إنها متسرولة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله المتسرولات. لكن يجب فى زي المرأة أن يكون محتشماً لا يكشف ولا يشف واذا توفرت هذه الشروط يكون زياً شرعياً.
عجبت لسماحة مفتي الديار وهو العالم بأصول الفقه كيف يستدل بهذا الحديث وليس فيه حجة لأمور سأذكرها. ولكن قبل بيان خطأ سماحة المفتي أقول: يا سماحة المفتي هل انتهت النساء عن لبس "البنطلون" حتى تخرج علينا بفتوى تبيح فيها لبس البنطلون, إننا صباح مساء نقول للنساء اتقين الله ولا تخرجن "بالبنطلون" فماذا سنقول بعد اليوم وسماحة المفتي يبيح لبسه بل الأدهى من ذلك أنه يقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم أباحه!! فأحببت أن أوضح لأخواتي المسلمات الحكم الشرعي في لبس البنطلون, ولكن قبل ذلك نود أن نتكلم على مدى صحة الحديث الذي استدل به مفتي الديار.
نقول إن الحديث جاء بلفظ: عن مجاهد قال: بلغني أن أمرأة سقطت عن دابتها فكشفت عنها ثيابها والنبي صلى الله عليه وسلم قريباً منها، فأعرض عنها، فقيل: إن عليها سراويل: فقال يرحم الله المتسرولات. حدثنا محمد بن مرزوق قال: حدثنا إبراهيم بن زكريا أبو إسحاق الضرير المعلم قال: حدثنا همام عن قتادة عن قدامة بن وبرة عن الأصبغ ابن نباتة عن علي قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عند البقيع، يعني بقيع الغرقد في يوم مطير فمرت امرأة على حمار ومعها مكاري فمرت في وهدة من الأرض فسقطت فأعرض عنها بوجهه فقالوا يا رسول الله إنها متسرولة فقال: اللهم اغفر للمتسرولات من أمتي. وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وإبراهيم بن زكريا هذا لم يتابع على هذا الحديث وهو منكر الحديث.
ما مدى صحة هذا الحديث: "رحم الله المتسرولات"؟.
إن هذا الحديث: موضوع
1 ـ ذكره الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في الموضوعات، وقال: حديث لا أصل له 3/46.
2 ـ وذكره الإمام ابن عراق رحمه الله تعالى في تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة 2/272.
3 ـ والعلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في الفوائد المجموعة ص 189.
فالحديث موضوع لا أصل له.والله أعلم.
والغريب أن سماحة المفتي عالم بأصول الفقه فكيف يستدل بهذا الحديث وهو موضوع. ولو سلمنا بأنه حديث صحيح فينبغي أن نقول:
أولا: لو صح الحديث لدل على الاستحباب، وليس الإباحة فحسب، ولم يقل أحد فيما أعلم أنه يستحب للمرأة أن تلبس البنطلون وتخرج به أمام الرجال، حتى لو كان واسعًا. بالله عليكم هل هناك عالم قال بأنه يستحب للمرأة أن تلبس البنطلون!!
وثانيا: لو كان يستحب ـ إن صح الحديث ـ لما تركه نساء الصحابة رضي الله عنهن، ومعلوم أنهن كن يمتثلن قوله تعالى (يدنين عليهن من جلابيبهن)، فكن يلبسن الجلباب وهو الملاءة التي تغطي جسد المرأة كله، لأن به يتحقق الستر ومقصود الحجاب.
ـ قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله: "إذا لبست المرأة البنطلون وفوقه ملابس سابغة فلا تشبه فيه بالرجال ما دامت تلبسه أسفل ملابسها" انتهى من "فتاوى الشيخ عبد الرزاق عفيفي" ص 573 .
ـ وقال الشيخ عبد الله الفقيه: فلا يجوز للمرأة أن تلبس البنطال وتخرج به، لما فيه من التشبه بالرجال، حيث لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال كما في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، إلا إذا كان ملبوسًا تحت ملابس ساترة فضفاضة لا تظهره، فهو والحالة هذه يعين على الستر.
ولبس البنطال والخروج به دون القيد السابق يبين تقاطيع بدن المرأة ويسبب الافتتان بها، وهي مأمورة بستر بدنها بما لا يصف بدنها ولا يشف عن بشرتها ولا يكون ذلك إلا بالضافي غير الشفاف. وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث: (صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما، نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا). وقد أمر الله تعالى نساء المؤمنين بالتستر فقال عز من قائل: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) ولتعلم المسلمة أنه يشترط في لباس المرأة عموماً أن يكون ساتراً صفيقاً غير شفاف. وفضفاضاً غير ضيق وأن لا يكون فيه تشبه بلباس الرجال ولا بلباس البغايا أو الكافرات. ويشترط في لباسها الذي تخرج به خاصة إضافة إلى ما تقدم أن لا يكون لباس شهرة ولا زينة في نفسه، وأن لا يكون مبخراً ولا مطيباً.
وبناء على ما تقدم نقول: لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: رحم الله المتسرولات. فلا حجة في الحديث على جواز لبس البنطلون, فلبس البنطلون والخروج به لا يجوز شرعًا أما إذا لبسته تحت ثيابها فلا شيء في ذلك إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
كتبه في صيدا خادم العلماء أبو عثمان الثلاثاء 17 ذو القعدة 1428 الموافق 27 تشرين الثاني 2007.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, وبعد:
فقد أسفت وما لي لا آسف لما صدر عن سماحة مفتي الديار المصرية الشيخ الدكتور علي جمعة حفظه الله تعالى حول الفتاوى التي أفتى بها منذ أيام ومنها فتوى المفتي حول لبس "البنطلون" فأجاب: بحسب جريدة "المدينة" السعودية: "أن الرسول صلى الله عليه وسلم أحل لبس المرأة للبنطلون" مشيراً إلى رواية تقول أن امرأة كانت تركب دابة فسقطت من عليها فغض رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره فقال له الصحابة يا رسول الله إنها متسرولة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله المتسرولات. لكن يجب فى زي المرأة أن يكون محتشماً لا يكشف ولا يشف واذا توفرت هذه الشروط يكون زياً شرعياً.
عجبت لسماحة مفتي الديار وهو العالم بأصول الفقه كيف يستدل بهذا الحديث وليس فيه حجة لأمور سأذكرها. ولكن قبل بيان خطأ سماحة المفتي أقول: يا سماحة المفتي هل انتهت النساء عن لبس "البنطلون" حتى تخرج علينا بفتوى تبيح فيها لبس البنطلون, إننا صباح مساء نقول للنساء اتقين الله ولا تخرجن "بالبنطلون" فماذا سنقول بعد اليوم وسماحة المفتي يبيح لبسه بل الأدهى من ذلك أنه يقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم أباحه!! فأحببت أن أوضح لأخواتي المسلمات الحكم الشرعي في لبس البنطلون, ولكن قبل ذلك نود أن نتكلم على مدى صحة الحديث الذي استدل به مفتي الديار.
نقول إن الحديث جاء بلفظ: عن مجاهد قال: بلغني أن أمرأة سقطت عن دابتها فكشفت عنها ثيابها والنبي صلى الله عليه وسلم قريباً منها، فأعرض عنها، فقيل: إن عليها سراويل: فقال يرحم الله المتسرولات. حدثنا محمد بن مرزوق قال: حدثنا إبراهيم بن زكريا أبو إسحاق الضرير المعلم قال: حدثنا همام عن قتادة عن قدامة بن وبرة عن الأصبغ ابن نباتة عن علي قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عند البقيع، يعني بقيع الغرقد في يوم مطير فمرت امرأة على حمار ومعها مكاري فمرت في وهدة من الأرض فسقطت فأعرض عنها بوجهه فقالوا يا رسول الله إنها متسرولة فقال: اللهم اغفر للمتسرولات من أمتي. وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وإبراهيم بن زكريا هذا لم يتابع على هذا الحديث وهو منكر الحديث.
ما مدى صحة هذا الحديث: "رحم الله المتسرولات"؟.
إن هذا الحديث: موضوع
1 ـ ذكره الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في الموضوعات، وقال: حديث لا أصل له 3/46.
2 ـ وذكره الإمام ابن عراق رحمه الله تعالى في تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة 2/272.
3 ـ والعلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في الفوائد المجموعة ص 189.
فالحديث موضوع لا أصل له.والله أعلم.
والغريب أن سماحة المفتي عالم بأصول الفقه فكيف يستدل بهذا الحديث وهو موضوع. ولو سلمنا بأنه حديث صحيح فينبغي أن نقول:
أولا: لو صح الحديث لدل على الاستحباب، وليس الإباحة فحسب، ولم يقل أحد فيما أعلم أنه يستحب للمرأة أن تلبس البنطلون وتخرج به أمام الرجال، حتى لو كان واسعًا. بالله عليكم هل هناك عالم قال بأنه يستحب للمرأة أن تلبس البنطلون!!
وثانيا: لو كان يستحب ـ إن صح الحديث ـ لما تركه نساء الصحابة رضي الله عنهن، ومعلوم أنهن كن يمتثلن قوله تعالى (يدنين عليهن من جلابيبهن)، فكن يلبسن الجلباب وهو الملاءة التي تغطي جسد المرأة كله، لأن به يتحقق الستر ومقصود الحجاب.
ـ قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله: "إذا لبست المرأة البنطلون وفوقه ملابس سابغة فلا تشبه فيه بالرجال ما دامت تلبسه أسفل ملابسها" انتهى من "فتاوى الشيخ عبد الرزاق عفيفي" ص 573 .
ـ وقال الشيخ عبد الله الفقيه: فلا يجوز للمرأة أن تلبس البنطال وتخرج به، لما فيه من التشبه بالرجال، حيث لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال كما في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، إلا إذا كان ملبوسًا تحت ملابس ساترة فضفاضة لا تظهره، فهو والحالة هذه يعين على الستر.
ولبس البنطال والخروج به دون القيد السابق يبين تقاطيع بدن المرأة ويسبب الافتتان بها، وهي مأمورة بستر بدنها بما لا يصف بدنها ولا يشف عن بشرتها ولا يكون ذلك إلا بالضافي غير الشفاف. وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث: (صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما، نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا). وقد أمر الله تعالى نساء المؤمنين بالتستر فقال عز من قائل: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) ولتعلم المسلمة أنه يشترط في لباس المرأة عموماً أن يكون ساتراً صفيقاً غير شفاف. وفضفاضاً غير ضيق وأن لا يكون فيه تشبه بلباس الرجال ولا بلباس البغايا أو الكافرات. ويشترط في لباسها الذي تخرج به خاصة إضافة إلى ما تقدم أن لا يكون لباس شهرة ولا زينة في نفسه، وأن لا يكون مبخراً ولا مطيباً.
وبناء على ما تقدم نقول: لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: رحم الله المتسرولات. فلا حجة في الحديث على جواز لبس البنطلون, فلبس البنطلون والخروج به لا يجوز شرعًا أما إذا لبسته تحت ثيابها فلا شيء في ذلك إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
كتبه في صيدا خادم العلماء أبو عثمان الثلاثاء 17 ذو القعدة 1428 الموافق 27 تشرين الثاني 2007.