ابو منير
03-20-2011, 01:24 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
حكم الاحتفال بيوم الأم
وغيره من المناسبات الاجتماعية
الجماعة الإسلامية - قسم الأسر المركزي
مع بداية فصل الربيع من كل عام، وتزامنه مع يوم الأم العالمي، يكثر الحديث في الأوساط الإسلامية حول جواز الاحتفال بهذا اليوم، وما يستجرُّه من المعايدة، والإهداء، والزيارة. ونحن إزاء ذلك أمام رأيين متباينَين أشدَّ التباين؛ الرأي الأول يذهب إلى تحريمه، والرأي الآخر يعدُّه من المباحات المعفُوِّ عنها.
ونحن تجاه هذين الرأيين، إنما نتحرَّى الأوفق والأقرب إلى الصّواب وموافقته للشرع ومقاصده، ولا نتوخَّى مسايرة الواقع ومتطلَّباته. ورسول الله صلى الله عليه وسلم "ما خُيِّر بين أمرَين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً". ونحن نتحرَّى تلافي مقارفة الإثم بالاعتماد على الأدلة الشرعية الصريحة، وذلك يقتضي منّا البحث في أوجُه التحريم؛ لأن الأصل في الأشياء والأفعال الإباحة، أي إنَّ الأصل القبول لا الرفض، وترجيح الإباحة على الحظر ما لم يثبت التحريم، وهو المنهج الإسلامي العَدْل، الداعي لاختيار اليُسر ما لم يثبت إثمُه.
منشأ فكرة عيد الأم:
إن صاحبة الفكرة والمشروع هي الناشطة الاجتماعية "جوليا وورد هاو" وذلك في عام 1870م. إبّان الحرب الأهلية الأمريكية، وكتبت في ذلك تقول - وهي تدعو النساء للتوحُّد ضد الحرب- : "إنَّ إعلان يوم عيد الأم هو دعوة للسلام ونَزْع السلاح". ولكنها فشلَتْ في الحصول على اعتراف رسمي بهذا العيد كيومٍ للسلام. ثم تابعَتْ من بعدها "آنا جارفيس" المشروع، وسُجّل أول إقرار رسمي بعيد الأم في عام 1910 من قِبَل الولايات المتحدة الأمريكية.
والاحتفال بهذا اليوم يختلف توقيته بين دولة وأخرى، فالنرويج تقيمه في الأحد الثاني من شباط، ويُقام في الأحد الثاني من تشرين الأول في الأرجنتين، وفي الأحد الأخير من أيار في السويد وفرنسا التي تعتبره عيداً للأسرة، بينما تقيمه دول أميركا الشمالية واليابان في الأحد الثاني من شهر أيار، أما في العالم العربي، فهو في اليوم الأول من فصل الربيع، فيما جنوب أفريقيا تحتفل به في الأحد الأول من أيار.
حكم الاحتفال بعيد الأم:
المسلمون ليس لهم أعياد دينية سوى عيدين، هما الأضحى والفطر المرتبطَين بشعائر تعبُّدية؛ فعيد الفطر يَعقُب عبادة الصيام، ويُستَهَلُّ بصلاة العيد، وعيد الأضحى متَّصل بنُسُك الذَّبح والحج، ويُستهَلُّ كذلك بصلاة ركعتين.
لكن هل يجوز للمسلمين أن يكون لهم أيام يحتفون بها ويَقدُرونها سوى هذين العيدين؟
والجواب: إنَّ تواضع الناس على الاهتمام بمناسبة ما (اجتماعية أوسياسية) وإيلائها عنايةً خاصة، مما لا حرَجَ فيه ولا جُناح؛ لانتفاء صفة التعبُّد عنها، كالاهتمام بذكرى انطلاقة الانتفاضة، وذكرى وعد بلفور، ويوم المعلم، ويوم العمال، ويوم الجلاء.. حيث إن الغرض من ذلك التواصي بالقيام بواجب الإعداد، أو الاعتبار بمآل القعود والاستسلام، أو تكريم بعض الفئات.. فهذه المناسبات لا ضيرَ في أن تكون محطّة للعظة والاعتبار، أو الفرح والاستبشار، ما كانت بعيدةً عن ألوان المعاصي والإسراف. ثم إنَّ وصف المناسبة بالعيد لا يُحمِّلها معنىً دينياً أو تعبُّدياً؛ لأن العبرة بمضمون المناسبة وتكييفها، وليس بعنوانها فقط.
وبالنظر إلى مضمون يوم الأم فإنَّه إنما ينطوي على إعزاز للأم وتوقيرها، وإسداء الشكر إليها، ونحن وإنْ كنّا نأبى حصرَ هذا التكريم في يوم بعينه، وننادي بجعل عبادة برِّ الوالدين في رأس قائمة الإحسان وفي كلِّ الأيام، غير أنَّ ذلك لا يمنع من أن يكون للأم في هذا اليوم مزيدُ تقدير وعرفان واحتفاء.
إذن، فالاحتفال بيوم الأم لا يعدو أن يكون من المباحات، لعدم ورود ما يصادم ذلك من أدلة تنهض للاحتجاج بها على التحريم. ونحن بذلك لا ننفي أن للمحرِّمين شبهاتٍ دفعتْهم إلى القول بالحظر والتحريم. ولا بأس - في سبيل استجلاء الرأي - من استعراض أقوالهم مشفوعةً بما عدُّوه أدلَّة تقول بالتحريم.
أبرز شبهات المحرِّمين:
جاء في فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (المجموعة الأولى: 3/86) حيث تقول: "لا يجوز الاحتفال بما يُسمَّى عيد الأم، ولا نحوه من الأعياد المبتدَعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» ، وليس الاحتفال بعيد الأم من عمله صلى الله عليه وسلم ولا من عمل أصحابه رضي الله عنهم ولا من عمل سلف الأمة، وإنما هو بدعة وتشبُّهٌ بالكفّار".
والفتوى هنا –كما لا يخفى- استندَتْ إلى أمرين، الأول: أن هذا الاحتفال أمرٌ مبتدَع، والثاني: أنَّ فيه تشبُّهاً بالكفَّار. وسيكون لنا وِقفةٌ مع هاتين الشُّبهتين ومناقشةٌ لأبعادهما، نهوضاً بواجب تحرِّي الحقِّ وطلباً للصواب.
مناقشة شُبُهاتِ التحريم:
أولاً: مفهوم الابتداع:
أما مفهوم الابتداع، فهو من المباحث التي تستدعي النَّظر والتحرير؛ لأننا إنما نخصُّ الابتداع بما مسَّ الأمور الدينية التعبُّدية، أما الأمور الاجتماعية والتجريبيّة.. وما كان من قبيل العادة لا العبادة، فإنها ليست من المبتدَعات المحظورات بل من المباحات.
ولعل في الفتوى التالية التي أطلقتها "اللجنة الدائمة" بهذا الخصوص ما يشير إلى ذلك، حيث جاء فيها: "وما كان المقصودُ منه تنظيمَ الأعمال مثلاً لمصلحة الأمة وضبط أمورها؛ كأسبوع المرور، وتنظيم مواعيد الدراسة، والاجتماع بالموظفين للعمل ونحو ذلك مما لا يفضي به إلى التقرُّب والعبادة والتعظيم بالأصالة، فهو من البِدَع العادية التي لا يشملها قوله صلى الله عليه وسلم «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». فلا حرج فيه، بل يكون مشروعاً" (المجموعة الأولى: 3/89).
وهنا نسأل: ما الفرق بين عيد الأم، الذي ليس فيه عبادة ولا "تعظيم بالأصالة" وبين أسبوع المرور؟ فكما أنَّ لهذا فوائد ارتأتها الحكومات لضبط الأمور، كذلك يومُ الأم ارتأينا أنَّ فيه مزيدَ تكريم للأمهات، وتذكيراً بواجب برِّ الوالدين اللذَين حضَّنا الشَّرع الحنيف على خفض الجناح لهما والإحسان إليهما. وليس في الأمر تعظيم لا لليوم بذاته، ولا للأم سوى التكريم السَّمْح المعهود. لا سيَّما أننا قدَّمنا في بداية الكلام أن البلدان غيرُ مُجْمِعة على تخصيص يوم بذاته، ما ينفي عنه صفة الإجلال الخاص، فلم يبقَ إلا أنه تحية بالغة للأم في يومها، والذي رأينا أن مبدأه كان "دعوةً للسلام ونزْعِ السلاح". وفي ذلك إشارة إلى التهويل الذي ذهب إليه البعض - إمعاناً في التحريم - حيث رأى أن الإغريق كانوا يعبدون الإلهة الأم في هذا اليوم!.
ثانياً: مفهوم التشبُّه بالكافرين:
وأما شُبهة التشبُّه بالكفَّار، فهي أيضاً من الأمور المشْتبِهة التي تتطلَّب توضيحاً، لا سيما أن الرَّمْيَ بالتشبُّه غدا سيفاً يُرفَع فوق كثير من الأحكام المعفُوِّ عنها.
إن التشبُّه بالكفار محظور فيما كان متَّصلاً بدينهم: عقيدةً وعبادةً وتعظيماً، مثال ذلك: ما يجري في بعض العبادات، كعبادة المشي في الجنازة والصلاة على الميت؛ فإنَّ إحداثَ أناشيد وتسابيح وحملَ المباخر ونحوها أمام النعش من الأمور التي تُشبه عبادة النصارى في اتّباع الجنائز، فهي من الأمور المحرَّمة؛ لأنَّ فيها تشبّهاً في أمر ديني وهو حرام قطعاً. أما ما سوى ذلك من العادات التي لا تتعارض مع أصولنا الشرعية ولا تعود بالضَّرر على سلوك الفرد والجماعة فليس فيها شيء من التشبُّه المذموم؛ فمن تشبَّه بالشرق أو الغرب في شأن علمي فني لم يكن عليه حَرَج، وفاعلُ ذلك لا يتشبَّه بالكافر في هذا المجال بوصفه كافراً، بل لا يلتفِتُ إلى هُويته الدينية، وهو في الحق إنما يتشبَّهُ به بوصفه صاحبَ تجربة ناجحة، فيكون التشبُّه قائماً على خلفيَّة الانتفاع بأمر شائع فيه مصلحة ونفع، لا على خلفية الانبهار بأديان الشرق أو الغرب، وإلا فإنْ كان كذلك فالتشبُّه والتقليد حرامٌ ألبتَّة. قال الإمام محمد رشيد رضا رحمه الله: "ما قاله بعض الفقهاء من كراهة التشبُّه بالكافر في عاداته قد قيَّدوه بقصْد التعظيم لدينه لا بقصد المصلحة" (مجلة المنار: 6/710).
وللتدليل على ذلك فإننا نأخذ طرَفاً من الأحاديث النبويَّة الناهية عن اتّباع أصحاب الديانات المخالفة، من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لتتبعُنَّ سَنَنَ من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جُحْرَ ضبٍّ لسلكتموه. قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن؟".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع، فقيل: يا رسول الله كفارس والروم؟ فقال: ومَن الناسُ إلا أولئك" رواه البخاري.
جاء في شرح الحديث: "ودُخول الجُحر تمثيلٌ للاقتداء بهم في كل شيء ممّا نهى الشرع عنه وذمَّه.. قال ابن بطال: أعلَمَ [النبيُّ] صلى الله عليه و سلم أنَّ أمّته ستتَّبع المحدَثات من الأمور والبدع والأهواء" (فتح الباري: 13/301).
إذاً، فالحديث كان فيه تحذير من اتِّباع طريق مَن كان قبلَنا من الأمم حين أخذَتْ تشرد عن جادة الصواب، وتسوقها الأهواء، وتُقحِم في الدِّين ما ليس منه، وإلى ذلك الإشارة في قول الشارح: "في كل شيء ممّا نهى الشرع عنه وذمَّه"، ومفهوم المخالفة هنا جليٌّ في أنَّ التشبُّه بغير ما تمَّ النَّهيُ عنه لا شيءَ فيه.
وعلى ذلك فما سوى الأمور الدينية واتِّباع الأهواء، فشأن أمميٌّ مشروعٌ ومتاحٌ للجميع، ومما يحسِم هذه النقطة أنه قد "ثبت في الأحاديث الصحيحة أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبِس الجُـبَّة الرُّومية وهي من لبوس النصارى، ولبس الطيالسة الكسروية وهي من لبوس مجوس الفرس. وكذلك الصحابة عليهم الرضوان لبسوا في كل بلاد فتحوها من لبوس أهلها" (مجلة المنار: 6/710).. وحيث إن اللباس شأنٌ دنيوي حياتي غير ديني، لم يكن مما يشمله التحذير الوارد في تقليد الفرس والروم، فظهَرَ أن التحذير كان متَّجهاً إلى اتّباعهم في ما يتَّصل بشؤون الدِّين واتباع الأهواء.
خلاصة القول:
إنَّ تكريمَ الأم في يومها ليس من قَبيل التشبُّه بالغرب في أمرٍ ديني، وليس من البِدَع الدينيَّة، وهو على ذلك مباح؛ فإن شابَ هذا التكريمَ إسرافٌ ومباهاة واعتزاز باليوم كإفراز من الحضارة الغربية كان حراماً مذموماً من هذه الجهة، وما سوى ذلك من تكريمٍ ومودةٍ خالصَين، فلا إثمَ فيه إن شاء الله تعالى.
حكم الاحتفال بيوم الأم
وغيره من المناسبات الاجتماعية
الجماعة الإسلامية - قسم الأسر المركزي
مع بداية فصل الربيع من كل عام، وتزامنه مع يوم الأم العالمي، يكثر الحديث في الأوساط الإسلامية حول جواز الاحتفال بهذا اليوم، وما يستجرُّه من المعايدة، والإهداء، والزيارة. ونحن إزاء ذلك أمام رأيين متباينَين أشدَّ التباين؛ الرأي الأول يذهب إلى تحريمه، والرأي الآخر يعدُّه من المباحات المعفُوِّ عنها.
ونحن تجاه هذين الرأيين، إنما نتحرَّى الأوفق والأقرب إلى الصّواب وموافقته للشرع ومقاصده، ولا نتوخَّى مسايرة الواقع ومتطلَّباته. ورسول الله صلى الله عليه وسلم "ما خُيِّر بين أمرَين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً". ونحن نتحرَّى تلافي مقارفة الإثم بالاعتماد على الأدلة الشرعية الصريحة، وذلك يقتضي منّا البحث في أوجُه التحريم؛ لأن الأصل في الأشياء والأفعال الإباحة، أي إنَّ الأصل القبول لا الرفض، وترجيح الإباحة على الحظر ما لم يثبت التحريم، وهو المنهج الإسلامي العَدْل، الداعي لاختيار اليُسر ما لم يثبت إثمُه.
منشأ فكرة عيد الأم:
إن صاحبة الفكرة والمشروع هي الناشطة الاجتماعية "جوليا وورد هاو" وذلك في عام 1870م. إبّان الحرب الأهلية الأمريكية، وكتبت في ذلك تقول - وهي تدعو النساء للتوحُّد ضد الحرب- : "إنَّ إعلان يوم عيد الأم هو دعوة للسلام ونَزْع السلاح". ولكنها فشلَتْ في الحصول على اعتراف رسمي بهذا العيد كيومٍ للسلام. ثم تابعَتْ من بعدها "آنا جارفيس" المشروع، وسُجّل أول إقرار رسمي بعيد الأم في عام 1910 من قِبَل الولايات المتحدة الأمريكية.
والاحتفال بهذا اليوم يختلف توقيته بين دولة وأخرى، فالنرويج تقيمه في الأحد الثاني من شباط، ويُقام في الأحد الثاني من تشرين الأول في الأرجنتين، وفي الأحد الأخير من أيار في السويد وفرنسا التي تعتبره عيداً للأسرة، بينما تقيمه دول أميركا الشمالية واليابان في الأحد الثاني من شهر أيار، أما في العالم العربي، فهو في اليوم الأول من فصل الربيع، فيما جنوب أفريقيا تحتفل به في الأحد الأول من أيار.
حكم الاحتفال بعيد الأم:
المسلمون ليس لهم أعياد دينية سوى عيدين، هما الأضحى والفطر المرتبطَين بشعائر تعبُّدية؛ فعيد الفطر يَعقُب عبادة الصيام، ويُستَهَلُّ بصلاة العيد، وعيد الأضحى متَّصل بنُسُك الذَّبح والحج، ويُستهَلُّ كذلك بصلاة ركعتين.
لكن هل يجوز للمسلمين أن يكون لهم أيام يحتفون بها ويَقدُرونها سوى هذين العيدين؟
والجواب: إنَّ تواضع الناس على الاهتمام بمناسبة ما (اجتماعية أوسياسية) وإيلائها عنايةً خاصة، مما لا حرَجَ فيه ولا جُناح؛ لانتفاء صفة التعبُّد عنها، كالاهتمام بذكرى انطلاقة الانتفاضة، وذكرى وعد بلفور، ويوم المعلم، ويوم العمال، ويوم الجلاء.. حيث إن الغرض من ذلك التواصي بالقيام بواجب الإعداد، أو الاعتبار بمآل القعود والاستسلام، أو تكريم بعض الفئات.. فهذه المناسبات لا ضيرَ في أن تكون محطّة للعظة والاعتبار، أو الفرح والاستبشار، ما كانت بعيدةً عن ألوان المعاصي والإسراف. ثم إنَّ وصف المناسبة بالعيد لا يُحمِّلها معنىً دينياً أو تعبُّدياً؛ لأن العبرة بمضمون المناسبة وتكييفها، وليس بعنوانها فقط.
وبالنظر إلى مضمون يوم الأم فإنَّه إنما ينطوي على إعزاز للأم وتوقيرها، وإسداء الشكر إليها، ونحن وإنْ كنّا نأبى حصرَ هذا التكريم في يوم بعينه، وننادي بجعل عبادة برِّ الوالدين في رأس قائمة الإحسان وفي كلِّ الأيام، غير أنَّ ذلك لا يمنع من أن يكون للأم في هذا اليوم مزيدُ تقدير وعرفان واحتفاء.
إذن، فالاحتفال بيوم الأم لا يعدو أن يكون من المباحات، لعدم ورود ما يصادم ذلك من أدلة تنهض للاحتجاج بها على التحريم. ونحن بذلك لا ننفي أن للمحرِّمين شبهاتٍ دفعتْهم إلى القول بالحظر والتحريم. ولا بأس - في سبيل استجلاء الرأي - من استعراض أقوالهم مشفوعةً بما عدُّوه أدلَّة تقول بالتحريم.
أبرز شبهات المحرِّمين:
جاء في فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (المجموعة الأولى: 3/86) حيث تقول: "لا يجوز الاحتفال بما يُسمَّى عيد الأم، ولا نحوه من الأعياد المبتدَعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» ، وليس الاحتفال بعيد الأم من عمله صلى الله عليه وسلم ولا من عمل أصحابه رضي الله عنهم ولا من عمل سلف الأمة، وإنما هو بدعة وتشبُّهٌ بالكفّار".
والفتوى هنا –كما لا يخفى- استندَتْ إلى أمرين، الأول: أن هذا الاحتفال أمرٌ مبتدَع، والثاني: أنَّ فيه تشبُّهاً بالكفَّار. وسيكون لنا وِقفةٌ مع هاتين الشُّبهتين ومناقشةٌ لأبعادهما، نهوضاً بواجب تحرِّي الحقِّ وطلباً للصواب.
مناقشة شُبُهاتِ التحريم:
أولاً: مفهوم الابتداع:
أما مفهوم الابتداع، فهو من المباحث التي تستدعي النَّظر والتحرير؛ لأننا إنما نخصُّ الابتداع بما مسَّ الأمور الدينية التعبُّدية، أما الأمور الاجتماعية والتجريبيّة.. وما كان من قبيل العادة لا العبادة، فإنها ليست من المبتدَعات المحظورات بل من المباحات.
ولعل في الفتوى التالية التي أطلقتها "اللجنة الدائمة" بهذا الخصوص ما يشير إلى ذلك، حيث جاء فيها: "وما كان المقصودُ منه تنظيمَ الأعمال مثلاً لمصلحة الأمة وضبط أمورها؛ كأسبوع المرور، وتنظيم مواعيد الدراسة، والاجتماع بالموظفين للعمل ونحو ذلك مما لا يفضي به إلى التقرُّب والعبادة والتعظيم بالأصالة، فهو من البِدَع العادية التي لا يشملها قوله صلى الله عليه وسلم «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». فلا حرج فيه، بل يكون مشروعاً" (المجموعة الأولى: 3/89).
وهنا نسأل: ما الفرق بين عيد الأم، الذي ليس فيه عبادة ولا "تعظيم بالأصالة" وبين أسبوع المرور؟ فكما أنَّ لهذا فوائد ارتأتها الحكومات لضبط الأمور، كذلك يومُ الأم ارتأينا أنَّ فيه مزيدَ تكريم للأمهات، وتذكيراً بواجب برِّ الوالدين اللذَين حضَّنا الشَّرع الحنيف على خفض الجناح لهما والإحسان إليهما. وليس في الأمر تعظيم لا لليوم بذاته، ولا للأم سوى التكريم السَّمْح المعهود. لا سيَّما أننا قدَّمنا في بداية الكلام أن البلدان غيرُ مُجْمِعة على تخصيص يوم بذاته، ما ينفي عنه صفة الإجلال الخاص، فلم يبقَ إلا أنه تحية بالغة للأم في يومها، والذي رأينا أن مبدأه كان "دعوةً للسلام ونزْعِ السلاح". وفي ذلك إشارة إلى التهويل الذي ذهب إليه البعض - إمعاناً في التحريم - حيث رأى أن الإغريق كانوا يعبدون الإلهة الأم في هذا اليوم!.
ثانياً: مفهوم التشبُّه بالكافرين:
وأما شُبهة التشبُّه بالكفَّار، فهي أيضاً من الأمور المشْتبِهة التي تتطلَّب توضيحاً، لا سيما أن الرَّمْيَ بالتشبُّه غدا سيفاً يُرفَع فوق كثير من الأحكام المعفُوِّ عنها.
إن التشبُّه بالكفار محظور فيما كان متَّصلاً بدينهم: عقيدةً وعبادةً وتعظيماً، مثال ذلك: ما يجري في بعض العبادات، كعبادة المشي في الجنازة والصلاة على الميت؛ فإنَّ إحداثَ أناشيد وتسابيح وحملَ المباخر ونحوها أمام النعش من الأمور التي تُشبه عبادة النصارى في اتّباع الجنائز، فهي من الأمور المحرَّمة؛ لأنَّ فيها تشبّهاً في أمر ديني وهو حرام قطعاً. أما ما سوى ذلك من العادات التي لا تتعارض مع أصولنا الشرعية ولا تعود بالضَّرر على سلوك الفرد والجماعة فليس فيها شيء من التشبُّه المذموم؛ فمن تشبَّه بالشرق أو الغرب في شأن علمي فني لم يكن عليه حَرَج، وفاعلُ ذلك لا يتشبَّه بالكافر في هذا المجال بوصفه كافراً، بل لا يلتفِتُ إلى هُويته الدينية، وهو في الحق إنما يتشبَّهُ به بوصفه صاحبَ تجربة ناجحة، فيكون التشبُّه قائماً على خلفيَّة الانتفاع بأمر شائع فيه مصلحة ونفع، لا على خلفية الانبهار بأديان الشرق أو الغرب، وإلا فإنْ كان كذلك فالتشبُّه والتقليد حرامٌ ألبتَّة. قال الإمام محمد رشيد رضا رحمه الله: "ما قاله بعض الفقهاء من كراهة التشبُّه بالكافر في عاداته قد قيَّدوه بقصْد التعظيم لدينه لا بقصد المصلحة" (مجلة المنار: 6/710).
وللتدليل على ذلك فإننا نأخذ طرَفاً من الأحاديث النبويَّة الناهية عن اتّباع أصحاب الديانات المخالفة، من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لتتبعُنَّ سَنَنَ من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جُحْرَ ضبٍّ لسلكتموه. قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن؟".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع، فقيل: يا رسول الله كفارس والروم؟ فقال: ومَن الناسُ إلا أولئك" رواه البخاري.
جاء في شرح الحديث: "ودُخول الجُحر تمثيلٌ للاقتداء بهم في كل شيء ممّا نهى الشرع عنه وذمَّه.. قال ابن بطال: أعلَمَ [النبيُّ] صلى الله عليه و سلم أنَّ أمّته ستتَّبع المحدَثات من الأمور والبدع والأهواء" (فتح الباري: 13/301).
إذاً، فالحديث كان فيه تحذير من اتِّباع طريق مَن كان قبلَنا من الأمم حين أخذَتْ تشرد عن جادة الصواب، وتسوقها الأهواء، وتُقحِم في الدِّين ما ليس منه، وإلى ذلك الإشارة في قول الشارح: "في كل شيء ممّا نهى الشرع عنه وذمَّه"، ومفهوم المخالفة هنا جليٌّ في أنَّ التشبُّه بغير ما تمَّ النَّهيُ عنه لا شيءَ فيه.
وعلى ذلك فما سوى الأمور الدينية واتِّباع الأهواء، فشأن أمميٌّ مشروعٌ ومتاحٌ للجميع، ومما يحسِم هذه النقطة أنه قد "ثبت في الأحاديث الصحيحة أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبِس الجُـبَّة الرُّومية وهي من لبوس النصارى، ولبس الطيالسة الكسروية وهي من لبوس مجوس الفرس. وكذلك الصحابة عليهم الرضوان لبسوا في كل بلاد فتحوها من لبوس أهلها" (مجلة المنار: 6/710).. وحيث إن اللباس شأنٌ دنيوي حياتي غير ديني، لم يكن مما يشمله التحذير الوارد في تقليد الفرس والروم، فظهَرَ أن التحذير كان متَّجهاً إلى اتّباعهم في ما يتَّصل بشؤون الدِّين واتباع الأهواء.
خلاصة القول:
إنَّ تكريمَ الأم في يومها ليس من قَبيل التشبُّه بالغرب في أمرٍ ديني، وليس من البِدَع الدينيَّة، وهو على ذلك مباح؛ فإن شابَ هذا التكريمَ إسرافٌ ومباهاة واعتزاز باليوم كإفراز من الحضارة الغربية كان حراماً مذموماً من هذه الجهة، وما سوى ذلك من تكريمٍ ومودةٍ خالصَين، فلا إثمَ فيه إن شاء الله تعالى.