أسياف الحق
04-29-2011, 10:18 PM
سأل أحد الأشخاص:
"لي صديق حلف على زوجته بأنها طالق إذا خرجت من البيت وزارت أهلها. ويستفسر عن حكم هذا الطلاق، وماذا لو أرادت زيارة أهلها؟ مع العلم أنها لم تزر أهلها بعد هذا اليمين، ويقول أن نيته كانت التهديد وليس الطلاق، فقد غضب من بعض تصرفاتها".
الجواب وبالله التوفيق
جمهور أهل العلم أن الطلاق المعلـّق (مثل هذا الطلاق الوارد في السؤال) يقع من الزوج مهما كانت نيته. وخالف في ذلك الإمام ابن تيمية (رحمه الله) وتلاميذه؛ وبقول ابن تيمية أخذ بعض أهل الفتوى في أيامنا، وربطوا المسألة بنية الزوج.
فإن كانت نيته الطلاق، فالطلاق يقع إن وقع الشرط، ويكون طلاقاً واحداً رجعياً إن كان لأول مرة، وإلا فيحسب بحسب عدد الطلقات إن تكرر منه ذلك.
وإن كانت نيته التخويف والزجر، فهو يمين، وعليه كفـّارة اليمين.
دليل ابن تيمية
استدل ابن تيمية ومن قال بقوله في اعتبار لفظ الطلاق المعلـّق يميناً بظاهر ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن سليمان التيمي أن ليلى بنت العجماء حلفت على أبي رافع أن "كل مملوك لها حر، وكل مالها هدي، وهي يهودية أو نصرانية إن لم تطلق زوجتك أو تفرق بينك وبين امرأتك"، قال: فأتيت زينب بنت أم سلمة ... ثم ذكر أنه أتى حفصة وعبد الله بن عمر (رضي الله عنهم)، وكلهم أفتاها بأن تكفر عن يمينها، وتخلـّي بين الرجل وامرأته.
مقدار كفـّارة اليمين
إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، ويكون الإطعام وجبة واحدة مشبعة، ويصحّ أن يعطي العشر وجبات لفقير واحد، كما يصح أن يعطيه ثمنها. وتكون الكسوة بما هو شائع في ستر الأجساد في بلده، ولا يشترط أن يكون الثوب جديداً، بل يكون مما يملك شرط ألا يكون أسمال يأنف منها مستخدمها. فإن لم يكن يملك القدرة على الإطعام أو الكسوة فيصوم ثلاثة أيام، والمستحب أن تكون سرداً بلا انقطاع، فإن صعب عليه ذلك فيصومها متفرقة.
نصيحة
صحيح أن الإسلام أجاز الطلاق، وهو أحد أشكال إنهاء الحياة الزوجية لأسباب يقـدّرها الزوجان أو القاضي (في حال الخلع أو التفريق)، ولكن ذلك لا يعني اتخاذ الطلاق مطيـّة لتهديد الزوجة، حتى لو كان الزوج في اشد حالات الغضب، وهل يقع لفظ الطلاق إلا في ساعة غضب(!)
ومن الآفات الاجتماعية التي انتشرت في أيامنا أن يمر الزوج (أو الزوجة) استقرار الأسرة، وأن يتخذ شريعة الله تعالى سوطاً يضرب به وجه شريكة حياته وأم أبنائه، فدين الله تعالى أشرف من أن تتخذ أحكامه لهواً بأيدي الناس، أفكلما أراد أحدٌ منع زوجته من شيء أو حثها على فعل شيء حلف بالطلاق(!) وقد غضب النبي (صلى الله عليه وسلم) عندما أُخبر عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعاً، فقَالَ: "أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ"! حَتَّى قَامَ رَجُلٌ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا أَقْتُلُهُ(!) [رواه النسائي]. والمعنى أن يحذر الرجل من استخدام الحكم الشرعي بحسب مزاجه لا بحسب الحكمة التي قصدتها الشريعة، ولا ننسى النهي عن كثرة الحلف في قوله تعالى: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ} [القلم/10].
وما ورد في سؤال الأخ (ف.د) فيه مخالفة صريحة لأحكام الإسلام في صلة الأرحام، فالمرأة لا تمنع من اهلها، وقد أمرنا تعالى أن نبرهم حتى لو كانوا غير مسلمين، والأصل أن يشجعها على صلتهم وحفظ حقوقهم، وفي كتاب الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء/23-2].
لقد كان المثل في استقرار العائلات واستمرارها يضرب بأهل صيدا، ورأينا زيجات تمتد إلى أكثر من نصف قرن، بل مرّ زمن كان الناس يؤرخون فيه لوقوع طلاق رجل لزوجته لندرة ذلك وقلـّته، وكأنه زلزال يؤرّخ بوقوعه، وذلك لأن كلا الطرفين كانا يعرفان حدود الله ويراعيان حق أبنائهم، ومن طلـّق زوجته يتـّم أبناءه وهو حيّ. وينبغي على كل من الزوج والزوجة التعاون لاستقرار الأسرة واستمرارها بعيداً عن أسباب الفرقة والنكد. وعلى الأزواج خصوصاً حفظ اللسان من هذه اللفظة إلا بحقها.
وأرى أن لأهل العلم التشدد في موضوع لفظ الطلاق إن أصبح فاشياً يؤدي إلى خلل العلاقات الاسرية وعدم استقرار أحوال المجتمع، وفي قول الجمهور ما يعين على التشدد في زجر مستخدمي لفظة الطلاق عند كل غضب أو أمر يستدعي الطلاق أو لا يستدعيه.
والله تعالى أعلم وأحكم
الدكتور صلاح الدين أرقة دان
"لي صديق حلف على زوجته بأنها طالق إذا خرجت من البيت وزارت أهلها. ويستفسر عن حكم هذا الطلاق، وماذا لو أرادت زيارة أهلها؟ مع العلم أنها لم تزر أهلها بعد هذا اليمين، ويقول أن نيته كانت التهديد وليس الطلاق، فقد غضب من بعض تصرفاتها".
الجواب وبالله التوفيق
جمهور أهل العلم أن الطلاق المعلـّق (مثل هذا الطلاق الوارد في السؤال) يقع من الزوج مهما كانت نيته. وخالف في ذلك الإمام ابن تيمية (رحمه الله) وتلاميذه؛ وبقول ابن تيمية أخذ بعض أهل الفتوى في أيامنا، وربطوا المسألة بنية الزوج.
فإن كانت نيته الطلاق، فالطلاق يقع إن وقع الشرط، ويكون طلاقاً واحداً رجعياً إن كان لأول مرة، وإلا فيحسب بحسب عدد الطلقات إن تكرر منه ذلك.
وإن كانت نيته التخويف والزجر، فهو يمين، وعليه كفـّارة اليمين.
دليل ابن تيمية
استدل ابن تيمية ومن قال بقوله في اعتبار لفظ الطلاق المعلـّق يميناً بظاهر ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن سليمان التيمي أن ليلى بنت العجماء حلفت على أبي رافع أن "كل مملوك لها حر، وكل مالها هدي، وهي يهودية أو نصرانية إن لم تطلق زوجتك أو تفرق بينك وبين امرأتك"، قال: فأتيت زينب بنت أم سلمة ... ثم ذكر أنه أتى حفصة وعبد الله بن عمر (رضي الله عنهم)، وكلهم أفتاها بأن تكفر عن يمينها، وتخلـّي بين الرجل وامرأته.
مقدار كفـّارة اليمين
إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، ويكون الإطعام وجبة واحدة مشبعة، ويصحّ أن يعطي العشر وجبات لفقير واحد، كما يصح أن يعطيه ثمنها. وتكون الكسوة بما هو شائع في ستر الأجساد في بلده، ولا يشترط أن يكون الثوب جديداً، بل يكون مما يملك شرط ألا يكون أسمال يأنف منها مستخدمها. فإن لم يكن يملك القدرة على الإطعام أو الكسوة فيصوم ثلاثة أيام، والمستحب أن تكون سرداً بلا انقطاع، فإن صعب عليه ذلك فيصومها متفرقة.
نصيحة
صحيح أن الإسلام أجاز الطلاق، وهو أحد أشكال إنهاء الحياة الزوجية لأسباب يقـدّرها الزوجان أو القاضي (في حال الخلع أو التفريق)، ولكن ذلك لا يعني اتخاذ الطلاق مطيـّة لتهديد الزوجة، حتى لو كان الزوج في اشد حالات الغضب، وهل يقع لفظ الطلاق إلا في ساعة غضب(!)
ومن الآفات الاجتماعية التي انتشرت في أيامنا أن يمر الزوج (أو الزوجة) استقرار الأسرة، وأن يتخذ شريعة الله تعالى سوطاً يضرب به وجه شريكة حياته وأم أبنائه، فدين الله تعالى أشرف من أن تتخذ أحكامه لهواً بأيدي الناس، أفكلما أراد أحدٌ منع زوجته من شيء أو حثها على فعل شيء حلف بالطلاق(!) وقد غضب النبي (صلى الله عليه وسلم) عندما أُخبر عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعاً، فقَالَ: "أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ"! حَتَّى قَامَ رَجُلٌ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا أَقْتُلُهُ(!) [رواه النسائي]. والمعنى أن يحذر الرجل من استخدام الحكم الشرعي بحسب مزاجه لا بحسب الحكمة التي قصدتها الشريعة، ولا ننسى النهي عن كثرة الحلف في قوله تعالى: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ} [القلم/10].
وما ورد في سؤال الأخ (ف.د) فيه مخالفة صريحة لأحكام الإسلام في صلة الأرحام، فالمرأة لا تمنع من اهلها، وقد أمرنا تعالى أن نبرهم حتى لو كانوا غير مسلمين، والأصل أن يشجعها على صلتهم وحفظ حقوقهم، وفي كتاب الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء/23-2].
لقد كان المثل في استقرار العائلات واستمرارها يضرب بأهل صيدا، ورأينا زيجات تمتد إلى أكثر من نصف قرن، بل مرّ زمن كان الناس يؤرخون فيه لوقوع طلاق رجل لزوجته لندرة ذلك وقلـّته، وكأنه زلزال يؤرّخ بوقوعه، وذلك لأن كلا الطرفين كانا يعرفان حدود الله ويراعيان حق أبنائهم، ومن طلـّق زوجته يتـّم أبناءه وهو حيّ. وينبغي على كل من الزوج والزوجة التعاون لاستقرار الأسرة واستمرارها بعيداً عن أسباب الفرقة والنكد. وعلى الأزواج خصوصاً حفظ اللسان من هذه اللفظة إلا بحقها.
وأرى أن لأهل العلم التشدد في موضوع لفظ الطلاق إن أصبح فاشياً يؤدي إلى خلل العلاقات الاسرية وعدم استقرار أحوال المجتمع، وفي قول الجمهور ما يعين على التشدد في زجر مستخدمي لفظة الطلاق عند كل غضب أو أمر يستدعي الطلاق أو لا يستدعيه.
والله تعالى أعلم وأحكم
الدكتور صلاح الدين أرقة دان