طارق الجبل
02-18-2008, 02:49 AM
الكتاب الأصفر – تقرير لجنة التحقيق الفتحوية في أحداث غزة
بقلم رشيد ثابت – مركز البيان للإعلام
توطئة
إذا كانت حماس أرخت لما جرى في يونيو حزيران 2007 من حرب لتطهير غزة بكتاب أبيض نشر بالعربية وترجم للإنجليزية فإنه يصح وصف التقرير عن تحقيق فتح فيما حدث - والذي تسرب مؤخرًا للإعلام - بالكتاب الأصفر. فأصفرَ باهتًا مراوغًا جاء وصف فتح لما جرى وما استنتجته عنه من دروس وعبر. ولقد تطوع العبدلله بقراءة التقرير الممل والصبر على ما ورد فيه من مفتريات؛ والمصابرة أكثر تجاه "جعلكة" الألفاظ والتراكيب التي جعلتني في بعض المواقف أوشك على أن أشعر بالشفقة على الرئيس السبعيني محمود عباس من قراءة هذا الكلام "المطعوج" الثقيل الألفاظ المرفوع له؛ والذي زاد من ثقله على قلب محمود عباس – دون شك - أنه حمل في طياته لغة التهديد المبطن – لكن الفج والمكشوف – تجاه الرئيس من كاتم أسراره وكاتب التقرير الطيب عبدالرحيم. فالتقرير شدد على أن "الكل كان يعرف" بما تعد حماس له وألمح بكلمة شبه ظاهرة – وإن كانت مكتوبة بالحبر السري - أن عباس كان يعرف هو الآخر ولم يتصرف كما ينبغي. وسنرى في آخر هذا المقال كيف أن محمود عباس تصرف كمن تعلم الدرس وسمع كلام الطيب وجعل كل الشهور الماضية وما جرى فيها من مسلكيات لفتح سواء تلك التي في الضفة أو تجاه الوضع في غزة – جعل كل هذه الشهور مسرحًا لإنفاذ رغبات وطلبات وتوصيات الطيب وفريق كتابة التقرير.
على مستوى الشكل يلاحظ أن فتح وكتبة التقرير لم يتنازلوا عن عنجهية وانتفاخ عجيبين؛ فتكرر الحديث عن "خدمة المصالح الوطنية العليا" مع أن الاستطراد والاطناب في شرح هذا المفهوم لا يخرج عن تحقيق رؤى خارطة الطريق وحفظ أمن الكيان. ووظف التقرير بعضًا من آي الذكر الحكيم في محاولة لإضفاء مسحة من النبل على عمل المجموعة وعلى مشروع فتح وحتى لتعزية النفس إزاء ما جرى كأن فتح خسرت غزوة أحد أمام قريش! هذا مع الاستمرار في الوقت نفسه في صب جام الغضب على الخطاب الإسلامي كنقيض للمشروع الوطني وكباعث على النزعة الإنفاصالية والتجند لصالح برامج خارجية!
نفس المفتريات القديمة بنفس الطعم الرديء!
على مستوى المضمون السياسي للتقرير لم تتخل فتح عن ترديد أكاذيبها الفجة المعتادة: فعباس لم يتصرف على أساس أنه رئيس لفريق من الفلسطينيين دون آخرين رغم أنه سحب صلاحيات الحكومة التي تنتمي لحزب آخر ملفًّا إثر ملف! وحماس حكمت فعلاً وأخذت فرصتها في الحكم رغم أن ضابطاً في الوقائي كان "يبهدل" أبو العبد هنية في مراسلات رسمية! وحماس أحدثت الانقسام الجغرافي في فلسطين رغم أن غزة مفصولة عن الضفة من العام 1967 ورغم أن حرية الحركة بينهما لم تكن في السابق تزيد على حرية انتقال من تنسق لهم الأجهزة الأمنية التابعة لفتح مع العدو الصهيوني – وهؤلاء بالمناسبة لا زالوا يسافرون بين غزة ورام الله "ٍسري مري" وبالتنسيق المعتاد! – ورغم أن مدن الضفة نفسها تعيش في عزلة عن بعضها البعض دون وجود حماس ودون وجود "إنقلاب"! إن تقريرًا يقول أن الرئاسة الفلسطينية كانت مظلة للجميع وأن محمود عباس كان يعمل على إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وأن حماس مع ذلك "غدرت" و"انقلبت" لهو تقرير للخداع الذاتي؛ ولا يهدف للمحاسبة الحقيقية والتصحيح والتصويب. أما حين يتباكى هذا التقرير على الاقتتال الداخلي الذي هو "خط أحمر" – ويغفل بديهية أن اقتتال الفلسطينيين وقع في كل مكان عملت فيه فتح بكل تشكيلاتها من بيروت إلى عدن – فهو يحكم على نفسه بطلاق الموضوعية طلاقًا بائنًا.
هذا سياسيًّا؛ أما أمنيا فروحية الافتراء والتجني بقيت حاضرة في كتاب فتح. فهناك تجاهل متعمد لدور الأجهزة في التخريب الأمني وإنكار ساذج لصنيع هذه الأجهزة ومحاولة لإضفاء مسحة من النبل على فعلها ودورها ونفي جرائمها. فحرس الرئاسة – على عكس ما قاله التقرير – قتل على الهوية كما أقر بذلك "توفيق أبو خوصة" في برنامج تلفزيوني وثائقي مسجل على قناة الحوار؛ والجامعة الإسلامية تعرضت للقصف وطال التدمير مبانيها وشاهد الجمهور أعمدة الدخان وألسنة اللهب والنوافذ المهشمة والجدران المحطمة على شاشات التلفزيون؛ ولم يكن الأمر مجرد تمثيلية مخادعة وإطارات محروقة في خلفية المشهد كما قالت دراما تقرير فتح البائسة عن المؤامرة المزعومة و"النية المبيتة للتخريب" من قبل حماس!
محاولة اغتيال محمود عباس: وبَطُلَ السحر!
تقع كمية لا بأس بها من محتويات التقرير تحت بند "النيران الصديقة" أو "فن إطلاق المرء النار على قدميه". فحين يقر أصحاب التحقيق أن كتائب القسام تسيطر فعليًّا على قطاع غزة منذ مدة سابقة على "الانقلاب"؛ وأن القسام حمى موكب الرئيس بتنسيق مع رئيس حراسه فإن هذا الاقرار يحبط مزاعم فتح – والتي تكررت في هذا التقرير أكثر من مرة - عن سعي حماس لاغتيال محمود عباس. حسب وصف التقرير فإن تلك المهمة – اغتيال الرئيس – أسهل من سهلة وكانت حماس ستحققها بكل يسر لو أنها قصدت ذلك؛ ولم تكن حماس لتحتاج أن تحفر من أجل قتل الرئيس أنفاقًا. ولم تكن هذه هي الكذبة الوحيدة التي فندها التقرير دون قصد؛ بل جاء حديث التقرير عن عمل حماس على اختراق الأجهزة واحباط فرص التحريض وعسكرة الأجهزة ضد حماس واشعال فتيل الأزمة أكثر – جاء هذا الحديث ليفند كذبة أن فتح لم تقاتل لأنها أرادت تجنب سفك دماء الشعب الفلسطيني. فمن حال دون توسع دائرة القتال كانت حماس التي أقنعت عامة عناصر الأجهزة أن المعركة هي فعلاً مع فريق خياني محدود ومحدد بعينه؛ وليست مع جملة تنظيم فتح.
الإسقاط الذاتي!
تكرر الاسقاط الذاني في التقرير غير مرة. ويقع اتهام حماس بأنها نسقت مع تنظيمات دينية مشبوهة في هذا الإطار؛ فالتحقيقات التي أجرتها حماس في غزة كشفت أن هذه التنظيمات "السلفية الجهادية" المزعومة كانت دائمًا مرتبطة بعناصر ملعوب بها مخابراتيًّا – وبعض هؤلاء لم تنقطع رواتب رام الله عنهم حتى الساعة! – ولا أدل على ذلك من ضبط اتصالات هاتفية من رام الله تحرض خاطفي الصحافي "جونستون" على التمسك به مع وعود بإغلاء الهدايا والعطايا لإحراج حماس وإظهارها بمظهر العاجز عن ضبط الأمن. لكن أبشع ممارسة للإسقاط الذاتي كانت في محاولة رمي حماس بتهمة تبني شعار "دخول الجنة بقتل الفتحويين". فحماس حسب التقرير نفسه قامت بكل ما من شأنه إحباط القتال وإفشاله ونزع فتيل العدوان من كل الأجهزة الأمنية. هذا كشف عن روح إسلامية عالية عند حماس ترعى الله وتسعى لتحقيق مقاصد الشريعة في حماية دماء الناس وأموالها وأعراضها. وليس هذا غريبًا على حركة إسلامية حقة مثل حماس...وفي المقابل فإن أحق الناس بالفهم الشيطاني الإقصائي الوثني للدين والتدين هم سرََّاق المباديء والمتلاعبون بها؛ وعلى رأسهم الطيب عبدالرحيم الذي استخدم مظلة كلمات نبيلة مثل "حماية المشروع الوطني" للتسبب بشكل مباشر في قتل وملاحقة أبطال الشعب الفلسطيني من أمثال الكبار محيي الدين الشريف والأخوين عوض الله وحسن سلامة؛ واستمر في ممارسة هذه الهواية في تظليل الخطط الشيطانية بمظلات الشعارات الكبيرة حتى يومنا هذا؛ فاتصل بالانتحاري الذي جندته فتح لتفجير نفسه في مصلى اسماعيل هنية وباركه وشجعه كما كشفت التحقيقات مؤخرًّا!
الاقرار بدور دحلان: الآن حصحص الحق!
على عكس ما كان إعلام فتح يردده من أن حماس تتمحك بمحمد دحلان – الذي هو فقط نائب منتخب ولا دخل له بعمل المؤسسة الأمنية! – للإساءة لفتح ولأجهزتها؛ أقر التقرير بدور الرجل الأكبر في إدارة الأجهزة الأمنية والتحكم بها والتمول بملايين من أجل "المعركة" مع حماس؛ وصولاً لحق البحث عن تمويل خارجي مباشر دون المروور بقنوات رسمية! فكيف يحدث هذا في جهاز يحترم نفسه؟ وكيف يمكن لمستشار للرئيس صنع كل هذا؟ يمكن لهذا أن يحدث فقط في دول الفاكهاني وجمهوريات المقاطعات وحسب!
ولماذا بعد كل هذا هناك من ينكر على حماس أن تحارب الأجهزة الأمنية ما دامت مؤتمرة بأمر دحلان في حينه وحسب تفويض رئاسي؟ وكيف امتلك البعض شجاعة إنكار تغول دحلان على المؤسسة الأمنية وعلى فتح وحاول التقليل من ذلك والزعم بأن حماس تختلق هذا الإدعاء لتبرير الحرب على فتح؟ هل كان هذا جهلاً بحقيقة ما يجري أم تواطؤًا مع المليونير الفاسد صاحب الارتباطات الصهيونية والأمريكية والخارجية الأخرى؟!
السدور في الغي يبقى الشعار الألصق بسيرة فتح ومسيرتها
يمكن ملاحظة الإصرار على الباطل شرعةً ومنهاجًا في هذا التقرير في غير موقف:
- فليس هناك غضب من فساد فتح بل من انكشاف صورة فتح كحركة فاسدة! وليس هناك توصية بإصلاح فتح بل بإخفاء مظاهر الفساد والتعمية عليها بنفس "الجعلكة" اللفظية والتقنين وفق شرعية اللاشرعية التي توفرها الأجهزة الخربة الهرمة غير المنتخبة وغير الممثلة ولا حتى لنفسها! وكأن المهم في حكم الأوطان والشعوب هو أن يعاد محو الدستور وكتابته مرارًا وتكرارًا حتى يصبح على مقاس العصابة الغاصبة للحكم والقرار؛ وليس مهمًّا الالتزام الحقيقي بالأخلاق وبما يرتضيه الشعب من مباديء وأساليب في الحكم والعمل السياسي!
- وهناك فقرة لخصت الكبر والانتفاخ الفتحوي والاحساس بالفوقية تجاه القانون والأخلاق على أكمل وجه؛ وعلى نحو بغيض ما كان يستطيع تصويره ولا أكثر الناس كرهًا لفتح! اقرأوا الفقرة التالية من تقرير الطيب: "وأيا كان الظرف والموضوع، فإن محاسبة أحد قيادات أو مكونات حركة فتح هي مسؤولية قيادة حركة فتح، وليست حماس هي التي تحاسبه بقوة السلاح، مدخلاً للاستيلاء على السلطة، وتجزئة فتح والاستفراد بمكوناتها، انها مسؤولية فتح وقيادتها، فلا يجوز لفتح أن تسقط سلطتها الحصرية بالمساءلة والمحاسبة والتصحيح، أو أن تنصب حماس نفسها وصية على تقييم مسار وتنظيم حركة فتح." هذا طبعًا في معرض الحديث عن فساد الأجهزة وفساد محمد دحلان وتحديد الجهة المسؤولة عن محاسبة المخطيء...فهل رأيتم انتفاخًا ونرجسيةً يشعر صاحبها معها أنه فوق الدولة وفوق القانون وفوق ضمائر الناس على هذا النحو من قبل؟!
- الحرص على أسرار الوقائي: لم يكن مهمًّا أن يكتشف الشعب الفلسطيني أن هناك بنكًا من مخازي الإسقاط والترويع والتهديد النفسي والاجتماعي وتكريس ذلك كله لرفد مشروع الخيانة والعمالة. هذا كله ليس مهما؛ والمهم فقط أن هناك من قصَّر ولم يحمِ هذا الميراث النكد وسمح بسقوطه غنيمة في يد "الإنقلابيين" من حماس وانكشافه على الملأ!
- الافحاش في حق المقاومة: تحدث التقرير عن تشكيلات المقاومة في فتح – بما فيها تشكيلات التمحك بالمقاومة – وسماها بلفظة مهينة هي "الحالات شبه العسكرية"...كأن الحديث يدور عن فئة مرضية أو مجموعة من أصحاب الاوضاع غير السوية! ولعل في هذه الكلمة ما يقرع أسماع ووعي فريقين: مقاومي فتح المصرين على الارتباط بقيادة تحقر المقاومة مثل قيادة فتح المعاصرة؛ والجمهور المضلل – بما في ذلك قطاعات سياسية وإعلامية واسعة – ممن لا يزال يثق في كل العناوين المسلحة لفتح رغم ما يقر به قادتها من كونها "حالات" انحرفت للارتزاق من أي ممول (ولو كان الانحراف في عرف أمثال الطيب يعني أيضا انصلاح بعضهم واقترابهم من المشروع الإسلامي!)
حكام المقاطعة الحقيقيون
واضح من توصيات التقرير أن كتبته – وعلى رأسهم الطيب عبد الرحيم – هم حكام فتح والمقاطعة الحقيقيون. فالانقلاب الأمني في الضفة والانقلاب على الديمقراطية والحرب على حماس هناك؛ وحل الجمعيات الخيرية؛ وحصار القطاع ومحاولة تقويض حكم حماس فيه تَرِدُ كلها كأفكار وتوصيات في تقرير لجنة الطيب! وهناك فقرة توضح بما لا يدع مجالاً للشك – إلا عند من لا يفقهون العربية – أن فتح شريكة في الحرب الشعواء التي تشن الآن على قطاع غزة. عزيزي القاريء اعتدل في جلستك ودقق النظر في الفقرة التالية واقرأ بصوت عالٍ ما يوصي به دهاقنة فتح: " "الأمر (أي من أجل الرد على "الانقلاب") الذي يتطلب بناء استراتيجية تقوم على فكرة تقويض سلطتهم بالقطاع وافشال تجربتهم ومحاصرتهم لاستعادة وحدة الوطن، دون أدنى توقع بأن ذلك سيكون هدفهم حيال السلطة الشرعية بالضفة الغربية ولو عبر بناء نموذج حكم يحظى برضى الناس بقطاع غزة، ويمكن للشعب الفلسطيني من التقييم والمقارنة بين تجربتين ونموذجين، مما يضاعف المسؤولية باتجاه تخليص النموذج الفتحاوي في ممارسة الحكم من السلبيات التي تعتريه، والإقدام بقوة نحو بناء النموذج الجديد الواعد بكل ما يستدعيه من متطلبات الاصلاح والتجديد نظماً وسياسات وأدوات"
أرأيت معي كلمة "حصارهم"؟ أليس هذا هو الذي يجري الآن لقطاع غزة؟ وهل انتبهت لمفهوم حركة فتح للإصلاح؟ إنه فقط عمل أي شيء يحول دون أن تفوز حماس بقصب السبق. أي أنه لو كانت حماس فاسدة أو غير موجودة فلا حاجة أبدا ولا حتى للتظاهر بالحكم الصالح واحترام النظام العام! ولذلك لا عجب أن يحاكم أمثال هؤلاء المدعو "حسام طارق خالد الشيخ علي" مدير مكتب دحلان كأحد المسؤولين عن هزيمة فتح؛ ويخرج دحلان سليمًا من الملاحقة رغم قبضه الملايين وشراءه معدات وسلاحًا لم يصل بعد؛ ورغم غيابه عن ساحة "المعركة" بداعي العلاج!
وبعد؛
فتقرير فتح يرى ما حدث في غزة فرصة للتقدم "دون إعاقة" لانجاز المشروع الوطني على كافة المستويات؛ أي -بعيدًا عن التكاذب الذي يحسنه دهاقنة فتح- يرى التقرير فيما حدث فرصة للارتماء في أحضان مشروع التسوية المتصهين دون معارضة من المجلس التشريعي أو دون خجل من أي جهة وطنية فلسطينية! وتقرير فتح هذا يضع لعباس وفتح محددات على الحوار مع حماس تقتضي أن تكف حماس عن أن تكون حماس؛ أو أن تقر بالشرعيات "اياها" وتعترف بالكيان الصهيوني ليرضى عنها الطيب ومحمود عباس!
ونحن نرى أن على حماس أن ترد كل هذا وتصر على المضي قدمًا في تعزيز المشروع الوطني الحقيقي وعدم العودة لأسر التوفيق المستحيل بين الخير والشر وجمع الليل والنهار على سطح واحد. ولا يهم في سبيل ذلك غضب الطيب أو رضاه أو مشاعر باقي حكام محمية المقاطعة!
بقلم رشيد ثابت – مركز البيان للإعلام
توطئة
إذا كانت حماس أرخت لما جرى في يونيو حزيران 2007 من حرب لتطهير غزة بكتاب أبيض نشر بالعربية وترجم للإنجليزية فإنه يصح وصف التقرير عن تحقيق فتح فيما حدث - والذي تسرب مؤخرًا للإعلام - بالكتاب الأصفر. فأصفرَ باهتًا مراوغًا جاء وصف فتح لما جرى وما استنتجته عنه من دروس وعبر. ولقد تطوع العبدلله بقراءة التقرير الممل والصبر على ما ورد فيه من مفتريات؛ والمصابرة أكثر تجاه "جعلكة" الألفاظ والتراكيب التي جعلتني في بعض المواقف أوشك على أن أشعر بالشفقة على الرئيس السبعيني محمود عباس من قراءة هذا الكلام "المطعوج" الثقيل الألفاظ المرفوع له؛ والذي زاد من ثقله على قلب محمود عباس – دون شك - أنه حمل في طياته لغة التهديد المبطن – لكن الفج والمكشوف – تجاه الرئيس من كاتم أسراره وكاتب التقرير الطيب عبدالرحيم. فالتقرير شدد على أن "الكل كان يعرف" بما تعد حماس له وألمح بكلمة شبه ظاهرة – وإن كانت مكتوبة بالحبر السري - أن عباس كان يعرف هو الآخر ولم يتصرف كما ينبغي. وسنرى في آخر هذا المقال كيف أن محمود عباس تصرف كمن تعلم الدرس وسمع كلام الطيب وجعل كل الشهور الماضية وما جرى فيها من مسلكيات لفتح سواء تلك التي في الضفة أو تجاه الوضع في غزة – جعل كل هذه الشهور مسرحًا لإنفاذ رغبات وطلبات وتوصيات الطيب وفريق كتابة التقرير.
على مستوى الشكل يلاحظ أن فتح وكتبة التقرير لم يتنازلوا عن عنجهية وانتفاخ عجيبين؛ فتكرر الحديث عن "خدمة المصالح الوطنية العليا" مع أن الاستطراد والاطناب في شرح هذا المفهوم لا يخرج عن تحقيق رؤى خارطة الطريق وحفظ أمن الكيان. ووظف التقرير بعضًا من آي الذكر الحكيم في محاولة لإضفاء مسحة من النبل على عمل المجموعة وعلى مشروع فتح وحتى لتعزية النفس إزاء ما جرى كأن فتح خسرت غزوة أحد أمام قريش! هذا مع الاستمرار في الوقت نفسه في صب جام الغضب على الخطاب الإسلامي كنقيض للمشروع الوطني وكباعث على النزعة الإنفاصالية والتجند لصالح برامج خارجية!
نفس المفتريات القديمة بنفس الطعم الرديء!
على مستوى المضمون السياسي للتقرير لم تتخل فتح عن ترديد أكاذيبها الفجة المعتادة: فعباس لم يتصرف على أساس أنه رئيس لفريق من الفلسطينيين دون آخرين رغم أنه سحب صلاحيات الحكومة التي تنتمي لحزب آخر ملفًّا إثر ملف! وحماس حكمت فعلاً وأخذت فرصتها في الحكم رغم أن ضابطاً في الوقائي كان "يبهدل" أبو العبد هنية في مراسلات رسمية! وحماس أحدثت الانقسام الجغرافي في فلسطين رغم أن غزة مفصولة عن الضفة من العام 1967 ورغم أن حرية الحركة بينهما لم تكن في السابق تزيد على حرية انتقال من تنسق لهم الأجهزة الأمنية التابعة لفتح مع العدو الصهيوني – وهؤلاء بالمناسبة لا زالوا يسافرون بين غزة ورام الله "ٍسري مري" وبالتنسيق المعتاد! – ورغم أن مدن الضفة نفسها تعيش في عزلة عن بعضها البعض دون وجود حماس ودون وجود "إنقلاب"! إن تقريرًا يقول أن الرئاسة الفلسطينية كانت مظلة للجميع وأن محمود عباس كان يعمل على إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وأن حماس مع ذلك "غدرت" و"انقلبت" لهو تقرير للخداع الذاتي؛ ولا يهدف للمحاسبة الحقيقية والتصحيح والتصويب. أما حين يتباكى هذا التقرير على الاقتتال الداخلي الذي هو "خط أحمر" – ويغفل بديهية أن اقتتال الفلسطينيين وقع في كل مكان عملت فيه فتح بكل تشكيلاتها من بيروت إلى عدن – فهو يحكم على نفسه بطلاق الموضوعية طلاقًا بائنًا.
هذا سياسيًّا؛ أما أمنيا فروحية الافتراء والتجني بقيت حاضرة في كتاب فتح. فهناك تجاهل متعمد لدور الأجهزة في التخريب الأمني وإنكار ساذج لصنيع هذه الأجهزة ومحاولة لإضفاء مسحة من النبل على فعلها ودورها ونفي جرائمها. فحرس الرئاسة – على عكس ما قاله التقرير – قتل على الهوية كما أقر بذلك "توفيق أبو خوصة" في برنامج تلفزيوني وثائقي مسجل على قناة الحوار؛ والجامعة الإسلامية تعرضت للقصف وطال التدمير مبانيها وشاهد الجمهور أعمدة الدخان وألسنة اللهب والنوافذ المهشمة والجدران المحطمة على شاشات التلفزيون؛ ولم يكن الأمر مجرد تمثيلية مخادعة وإطارات محروقة في خلفية المشهد كما قالت دراما تقرير فتح البائسة عن المؤامرة المزعومة و"النية المبيتة للتخريب" من قبل حماس!
محاولة اغتيال محمود عباس: وبَطُلَ السحر!
تقع كمية لا بأس بها من محتويات التقرير تحت بند "النيران الصديقة" أو "فن إطلاق المرء النار على قدميه". فحين يقر أصحاب التحقيق أن كتائب القسام تسيطر فعليًّا على قطاع غزة منذ مدة سابقة على "الانقلاب"؛ وأن القسام حمى موكب الرئيس بتنسيق مع رئيس حراسه فإن هذا الاقرار يحبط مزاعم فتح – والتي تكررت في هذا التقرير أكثر من مرة - عن سعي حماس لاغتيال محمود عباس. حسب وصف التقرير فإن تلك المهمة – اغتيال الرئيس – أسهل من سهلة وكانت حماس ستحققها بكل يسر لو أنها قصدت ذلك؛ ولم تكن حماس لتحتاج أن تحفر من أجل قتل الرئيس أنفاقًا. ولم تكن هذه هي الكذبة الوحيدة التي فندها التقرير دون قصد؛ بل جاء حديث التقرير عن عمل حماس على اختراق الأجهزة واحباط فرص التحريض وعسكرة الأجهزة ضد حماس واشعال فتيل الأزمة أكثر – جاء هذا الحديث ليفند كذبة أن فتح لم تقاتل لأنها أرادت تجنب سفك دماء الشعب الفلسطيني. فمن حال دون توسع دائرة القتال كانت حماس التي أقنعت عامة عناصر الأجهزة أن المعركة هي فعلاً مع فريق خياني محدود ومحدد بعينه؛ وليست مع جملة تنظيم فتح.
الإسقاط الذاتي!
تكرر الاسقاط الذاني في التقرير غير مرة. ويقع اتهام حماس بأنها نسقت مع تنظيمات دينية مشبوهة في هذا الإطار؛ فالتحقيقات التي أجرتها حماس في غزة كشفت أن هذه التنظيمات "السلفية الجهادية" المزعومة كانت دائمًا مرتبطة بعناصر ملعوب بها مخابراتيًّا – وبعض هؤلاء لم تنقطع رواتب رام الله عنهم حتى الساعة! – ولا أدل على ذلك من ضبط اتصالات هاتفية من رام الله تحرض خاطفي الصحافي "جونستون" على التمسك به مع وعود بإغلاء الهدايا والعطايا لإحراج حماس وإظهارها بمظهر العاجز عن ضبط الأمن. لكن أبشع ممارسة للإسقاط الذاتي كانت في محاولة رمي حماس بتهمة تبني شعار "دخول الجنة بقتل الفتحويين". فحماس حسب التقرير نفسه قامت بكل ما من شأنه إحباط القتال وإفشاله ونزع فتيل العدوان من كل الأجهزة الأمنية. هذا كشف عن روح إسلامية عالية عند حماس ترعى الله وتسعى لتحقيق مقاصد الشريعة في حماية دماء الناس وأموالها وأعراضها. وليس هذا غريبًا على حركة إسلامية حقة مثل حماس...وفي المقابل فإن أحق الناس بالفهم الشيطاني الإقصائي الوثني للدين والتدين هم سرََّاق المباديء والمتلاعبون بها؛ وعلى رأسهم الطيب عبدالرحيم الذي استخدم مظلة كلمات نبيلة مثل "حماية المشروع الوطني" للتسبب بشكل مباشر في قتل وملاحقة أبطال الشعب الفلسطيني من أمثال الكبار محيي الدين الشريف والأخوين عوض الله وحسن سلامة؛ واستمر في ممارسة هذه الهواية في تظليل الخطط الشيطانية بمظلات الشعارات الكبيرة حتى يومنا هذا؛ فاتصل بالانتحاري الذي جندته فتح لتفجير نفسه في مصلى اسماعيل هنية وباركه وشجعه كما كشفت التحقيقات مؤخرًّا!
الاقرار بدور دحلان: الآن حصحص الحق!
على عكس ما كان إعلام فتح يردده من أن حماس تتمحك بمحمد دحلان – الذي هو فقط نائب منتخب ولا دخل له بعمل المؤسسة الأمنية! – للإساءة لفتح ولأجهزتها؛ أقر التقرير بدور الرجل الأكبر في إدارة الأجهزة الأمنية والتحكم بها والتمول بملايين من أجل "المعركة" مع حماس؛ وصولاً لحق البحث عن تمويل خارجي مباشر دون المروور بقنوات رسمية! فكيف يحدث هذا في جهاز يحترم نفسه؟ وكيف يمكن لمستشار للرئيس صنع كل هذا؟ يمكن لهذا أن يحدث فقط في دول الفاكهاني وجمهوريات المقاطعات وحسب!
ولماذا بعد كل هذا هناك من ينكر على حماس أن تحارب الأجهزة الأمنية ما دامت مؤتمرة بأمر دحلان في حينه وحسب تفويض رئاسي؟ وكيف امتلك البعض شجاعة إنكار تغول دحلان على المؤسسة الأمنية وعلى فتح وحاول التقليل من ذلك والزعم بأن حماس تختلق هذا الإدعاء لتبرير الحرب على فتح؟ هل كان هذا جهلاً بحقيقة ما يجري أم تواطؤًا مع المليونير الفاسد صاحب الارتباطات الصهيونية والأمريكية والخارجية الأخرى؟!
السدور في الغي يبقى الشعار الألصق بسيرة فتح ومسيرتها
يمكن ملاحظة الإصرار على الباطل شرعةً ومنهاجًا في هذا التقرير في غير موقف:
- فليس هناك غضب من فساد فتح بل من انكشاف صورة فتح كحركة فاسدة! وليس هناك توصية بإصلاح فتح بل بإخفاء مظاهر الفساد والتعمية عليها بنفس "الجعلكة" اللفظية والتقنين وفق شرعية اللاشرعية التي توفرها الأجهزة الخربة الهرمة غير المنتخبة وغير الممثلة ولا حتى لنفسها! وكأن المهم في حكم الأوطان والشعوب هو أن يعاد محو الدستور وكتابته مرارًا وتكرارًا حتى يصبح على مقاس العصابة الغاصبة للحكم والقرار؛ وليس مهمًّا الالتزام الحقيقي بالأخلاق وبما يرتضيه الشعب من مباديء وأساليب في الحكم والعمل السياسي!
- وهناك فقرة لخصت الكبر والانتفاخ الفتحوي والاحساس بالفوقية تجاه القانون والأخلاق على أكمل وجه؛ وعلى نحو بغيض ما كان يستطيع تصويره ولا أكثر الناس كرهًا لفتح! اقرأوا الفقرة التالية من تقرير الطيب: "وأيا كان الظرف والموضوع، فإن محاسبة أحد قيادات أو مكونات حركة فتح هي مسؤولية قيادة حركة فتح، وليست حماس هي التي تحاسبه بقوة السلاح، مدخلاً للاستيلاء على السلطة، وتجزئة فتح والاستفراد بمكوناتها، انها مسؤولية فتح وقيادتها، فلا يجوز لفتح أن تسقط سلطتها الحصرية بالمساءلة والمحاسبة والتصحيح، أو أن تنصب حماس نفسها وصية على تقييم مسار وتنظيم حركة فتح." هذا طبعًا في معرض الحديث عن فساد الأجهزة وفساد محمد دحلان وتحديد الجهة المسؤولة عن محاسبة المخطيء...فهل رأيتم انتفاخًا ونرجسيةً يشعر صاحبها معها أنه فوق الدولة وفوق القانون وفوق ضمائر الناس على هذا النحو من قبل؟!
- الحرص على أسرار الوقائي: لم يكن مهمًّا أن يكتشف الشعب الفلسطيني أن هناك بنكًا من مخازي الإسقاط والترويع والتهديد النفسي والاجتماعي وتكريس ذلك كله لرفد مشروع الخيانة والعمالة. هذا كله ليس مهما؛ والمهم فقط أن هناك من قصَّر ولم يحمِ هذا الميراث النكد وسمح بسقوطه غنيمة في يد "الإنقلابيين" من حماس وانكشافه على الملأ!
- الافحاش في حق المقاومة: تحدث التقرير عن تشكيلات المقاومة في فتح – بما فيها تشكيلات التمحك بالمقاومة – وسماها بلفظة مهينة هي "الحالات شبه العسكرية"...كأن الحديث يدور عن فئة مرضية أو مجموعة من أصحاب الاوضاع غير السوية! ولعل في هذه الكلمة ما يقرع أسماع ووعي فريقين: مقاومي فتح المصرين على الارتباط بقيادة تحقر المقاومة مثل قيادة فتح المعاصرة؛ والجمهور المضلل – بما في ذلك قطاعات سياسية وإعلامية واسعة – ممن لا يزال يثق في كل العناوين المسلحة لفتح رغم ما يقر به قادتها من كونها "حالات" انحرفت للارتزاق من أي ممول (ولو كان الانحراف في عرف أمثال الطيب يعني أيضا انصلاح بعضهم واقترابهم من المشروع الإسلامي!)
حكام المقاطعة الحقيقيون
واضح من توصيات التقرير أن كتبته – وعلى رأسهم الطيب عبد الرحيم – هم حكام فتح والمقاطعة الحقيقيون. فالانقلاب الأمني في الضفة والانقلاب على الديمقراطية والحرب على حماس هناك؛ وحل الجمعيات الخيرية؛ وحصار القطاع ومحاولة تقويض حكم حماس فيه تَرِدُ كلها كأفكار وتوصيات في تقرير لجنة الطيب! وهناك فقرة توضح بما لا يدع مجالاً للشك – إلا عند من لا يفقهون العربية – أن فتح شريكة في الحرب الشعواء التي تشن الآن على قطاع غزة. عزيزي القاريء اعتدل في جلستك ودقق النظر في الفقرة التالية واقرأ بصوت عالٍ ما يوصي به دهاقنة فتح: " "الأمر (أي من أجل الرد على "الانقلاب") الذي يتطلب بناء استراتيجية تقوم على فكرة تقويض سلطتهم بالقطاع وافشال تجربتهم ومحاصرتهم لاستعادة وحدة الوطن، دون أدنى توقع بأن ذلك سيكون هدفهم حيال السلطة الشرعية بالضفة الغربية ولو عبر بناء نموذج حكم يحظى برضى الناس بقطاع غزة، ويمكن للشعب الفلسطيني من التقييم والمقارنة بين تجربتين ونموذجين، مما يضاعف المسؤولية باتجاه تخليص النموذج الفتحاوي في ممارسة الحكم من السلبيات التي تعتريه، والإقدام بقوة نحو بناء النموذج الجديد الواعد بكل ما يستدعيه من متطلبات الاصلاح والتجديد نظماً وسياسات وأدوات"
أرأيت معي كلمة "حصارهم"؟ أليس هذا هو الذي يجري الآن لقطاع غزة؟ وهل انتبهت لمفهوم حركة فتح للإصلاح؟ إنه فقط عمل أي شيء يحول دون أن تفوز حماس بقصب السبق. أي أنه لو كانت حماس فاسدة أو غير موجودة فلا حاجة أبدا ولا حتى للتظاهر بالحكم الصالح واحترام النظام العام! ولذلك لا عجب أن يحاكم أمثال هؤلاء المدعو "حسام طارق خالد الشيخ علي" مدير مكتب دحلان كأحد المسؤولين عن هزيمة فتح؛ ويخرج دحلان سليمًا من الملاحقة رغم قبضه الملايين وشراءه معدات وسلاحًا لم يصل بعد؛ ورغم غيابه عن ساحة "المعركة" بداعي العلاج!
وبعد؛
فتقرير فتح يرى ما حدث في غزة فرصة للتقدم "دون إعاقة" لانجاز المشروع الوطني على كافة المستويات؛ أي -بعيدًا عن التكاذب الذي يحسنه دهاقنة فتح- يرى التقرير فيما حدث فرصة للارتماء في أحضان مشروع التسوية المتصهين دون معارضة من المجلس التشريعي أو دون خجل من أي جهة وطنية فلسطينية! وتقرير فتح هذا يضع لعباس وفتح محددات على الحوار مع حماس تقتضي أن تكف حماس عن أن تكون حماس؛ أو أن تقر بالشرعيات "اياها" وتعترف بالكيان الصهيوني ليرضى عنها الطيب ومحمود عباس!
ونحن نرى أن على حماس أن ترد كل هذا وتصر على المضي قدمًا في تعزيز المشروع الوطني الحقيقي وعدم العودة لأسر التوفيق المستحيل بين الخير والشر وجمع الليل والنهار على سطح واحد. ولا يهم في سبيل ذلك غضب الطيب أو رضاه أو مشاعر باقي حكام محمية المقاطعة!