المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علي الشيخ عمّار عائداً في «الجماعة»... من رحم المقاومة


راتب
09-24-2007, 05:30 AM
علي الشيخ عمّار عائداً في «الجماعة»... من رحم المقاومة


عمار نعمة - السفير - صيدا:

لم تكن الخلفية المتواضعة للعائلة، مثلما لم يكن الالتزام العقائدي والحزبي في صفوف «الجماعة الإسلامية»، وحدهما ما دفع بعلي الشيخ عمّار الى الصفوف الأمامية في العمل الجهادي، انطلاقاً من صيدا، بوابة الجنوب ومركزه، في العمل الوطني طيلة عقود.

لعلّها عصامية ذلك الفتى وطموحه منذ سنواته الأولى في «حي الوسطاني» الذي لا يضاهي قدمه سوى فقره المدقع الذي دفع بشباب ذلك الزمان في المدينة الى اتون العمل السياسي، املاً بتغيير ما وطموحاً بتحول في تلك الظروف المعيشية الصعبة التي لم تكن لتنفصل في نظرهم عن التحديات المختلفة لذلك العصر.

لم يكن تواضع العائلة الاجتماعي التي كانت تفتقد لعراقة العائلات الكبرى عميقة الأسس في صيدا، والتي لا زالت غامضة الجذور حتى اليوم برغم مكانة لا زالت تحتفظ بها في الخارج، ليحول دون ذلك الطموح عند علي، نجل سعيد الشيخ عمّار، وشقيق محمد، رئيس مجلس الشورى الحالي للجماعة، من تلك الوالدة المؤمنة، الذكية حسب المجايلين، آمنة حبلي.

انخرط علي، كغيره من الشباب، في العمل السياسي مبكراً، الذي كان مستغرباً على فتى من عائلة عملت في التجارة والنقل وافتقدت كالأجداد الى الوجوه العلمية والثقافية والاجتماعية البارزة في تلك الفترة. ولعلّ من سمات التواضع التي اتسم بها الفتى علي والتي رافقته دوما، تأكيده ان «أميّة» والده لم تقف حائلاً على الإطلاق امام طموحه، برغم افتخاره بتديّن الوالد الذي فتح آفاقاً رحبة امام الإبن، اهمها الحب والاحترام لدى الناس.

كانت البداية مع العروبة والناصرية، ويقول عمّار عن الفتى المنطلق في ذلك الحين «كان الجو الناصري أخاذا، وقد تأثرنا عاطفياً في المدرسة والجامعة بمناخ العروبة حينذاك في ظل الهجمة الاستعمارية على المنطقة».

لكن الفتى ورث عن ابيه ما يحلو له تسميتها بـ«الصفحة البيضاء»، وهو تميّز في شبابه بالاستقامة الشخصية والتديّن الخاص كما شباب ذلك الزمان، حتى انه لوحظ عليه حضوره المُبكر للدروس الدينية في المسجد الذي شهد بين جدرانه في اواخر عقد الستينيات التحوّل الكبير لدى الشاب العشريني.

على ان هذا التحوّل، او لنقل الولادة الجديدة بالنسبة الى علي عمّار، قد وُلدت من رحم المعاناة التي كان يقاسيها العالم الإسلامي، وخاصة المنطقة العربية. طلب العلم بالنسبة اليه ارتبط ايضاً بالإجابة على السؤال المركزي: ما اسباب تخلف الأمة وكيف السبيل لحلّ مشاكلها؟ وربما توصل عمّار الى الإجابة على السؤال عند تقديمه رسالة الدكتوراه في الفلسفة في «جامعة السوربون» في باريس حول المفكر الجزائري مالك بن نبي.

الالتزام السياسي: الولادة الجديدة

عاد الرجل الثلاثيني الى مسقط رأسه في اوائل الثمانينيات مراكماً نتاجاً علمياً لطالما طمح له، فعمل أستاذاً للفلسفة في «كلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة» في «الجامعة اللبنانيّة» لفترة وجيزة، اذ كانت مرحلة حبلى بالأحداث، تمثل اهمها بالاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وصولاً حتى بيروت، ثم انطلاق المقاومة فالتحرير...

كان عمّار قد اتخذ قراره قبلها بسنوات طويلة بالتزام العمل السياسي الذي رآه في صلب واجبه الجهادي، فانضم الى «الجماعة الإسلامية» على يد الشيخ خليل الصيفي بعد تقلب عاشه الأول بين الفكرين العروبي والإسلامي عبر نشاط ثقافي عام في المدينة. «كان الشيخ الصيفي دمثاً، حلو المعشر، جذبنا الى الجماعة برغم كل ما رافق حركة الإخوان المسلمين في مصر من تجاذبات شوّهتها في نظر الكثيرين»، على حد تعبير عمّار، الذي يضيف «ادركنا ان الإسلام نظام قائم في حد ذاته وقد كانت لدينا الفطرة والتربية الإسلامية فكان ان اتخذنا الموقف التاريخي الذي رأيناه مناسباً».

تزامن الانضمام الى الجماعة في اوائل السبعينيات، مع تسارع الأحداث في البلاد ومعها صيدا، ومع تضخم حجم الجماعة وتدرج عمّار بمسؤولياته التنظيمية والعامة، في وقت باتت معه الحركة قطباً اساسياً في المدينة والجوار الى جانب تنظيمات اخرى وشخصيات وفعاليات لم يخف الكثير منها حذره من ذلك المولود القادم بقوة ليحتل مكانته في المدينة.

يقول عمّار «بدا القلق على البعض مع ازدياد اجتذاب حركتنا للشباب، فقد كنا تنظيماً دينياً بطبيعة الحال في ظل فترة شهدت هيمنة يسارية ادت الى بعض الإشكالات والمطاردات بحق كوادر الجماعة في البدء لم يخل بعضها من سيلان الدماء... إلا أن الأمور عادت الى طبيعتها مع الوقت في ظل ثبات شبابنا والتحدي الذي تميزوا به».

شهدت صيدا اولى إرهاصات الحرب اللبنانية مع استشهاد معروف سعد عام 1975 وذلك قبل اندلاع شرارتها بأسابيع في ظل وجود فلسطيني مسلح ومتضخم في إطار ما سُمي حينها بـ«الحركة الوطنية» التي كانت تجمع الأحزاب اليسارية والقومية والوطنية، شاءت الجماعة البقاء على مسافة عنها.

لكنها ظروف الحرب التي فرضت على الجماعة الاصطفاف بوجه التدخل السوري عام 1976 الذي بلغ صيدا قبل التراجع مع إبداء ابناء المدينة مقاومة عنيفة له، كما يؤكد هؤلاء. كان ذلك قبل الصدام الكبير بين النظام السوري و«الإخوان المسلمين» الذي بلغ اوجه نهاية السبعينيات تتويجاً لعلاقة متوترة منذ وصول «البعث» الى الحكم عام 1963 والتي تأثرت بها الجماعة في شكل او بآخر، ما فرض عليها ذلك الموقف مع بداية الحرب اللبنانية كما يؤكد مقربون منها.

يقول عمّار عن تلك السنوات «شكل الدخول السوري الى صيدا فرصة لنا لامتلاك السلاح للمرة الأولى بشكل جدي، وقد اتخذنا من بعض مبنى مدرسة صيدا الأولى مركزاً عسكرياً للتنظيم، وهو الأمر الذي صاحبته مشاكل على الأرض بعد خروج السوريين، مع بعض القوى سرعان ما تحولت الى علاقة تحالف في ظل الظروف المحيطة وأهمها الاحتلال الإسرائيلي عام 1978».

على ان بندقية «المقاومة» عادت وتوحدت في ظل رياح السلام التي هبت بقوة على المنطقة مع استفراد مصر، الطرف العربي الأقوى، واستفراد المقاومة في لبنان عبر اجتياح عام .1982 كان عمّار في تلك الأثناء يتدرج صعوداً عبر مهامه «الإدارية» والثقافية في الجماعة مراكماً نتاجاً علمياً في الداخل والخارج، تحديداً في فرنسا، بدا خير تعويض عن مكانة افتقدتها العائلة على الدوام.

في صيف ذلك العام، كانت المعركة بالنسبة الى الجماعة بمثابة حياة او موت، فتمت المقاومة بما تيسّر من سلاح خفيف ومتوسط، لكن كان ان الكثرة غلبت الشجاعة، فشرعت الحركة سريعاً في التحضير مع الحلفاء للانتفاض بوجه الإسرائيلي بالتزامن مع مقاومات مسلحة وشعبية اخرى في العاصمة والمناطق...

اقتنصت الجماعة الفرصة الكبرى الأخرى التي وفرها الاحتلال الإسرائيلي على حد وصف عمّار، فامتشقت السلاح باسم «قوات الفجر» ضد المحتل في صيدا وبيروت والإقليم والبقاع الغربي. كانت قيادة تلك القوة، التي فصلت تنظيمياً عن الجناح السياسي، بإمرة جمال حبّال وقدمت عشرات الشهداء كان اهمهم محمد علي الشريف ومحمود زهرا اللذين قتلا في مواجهات بطولية مع قوات الاحتلال في صيدا.

كان «جامع الزعتري» محط التقاء القوى الوطنية في المدينة حيث اعلن عن انطلاق جبهة مقاومة جمعت القوى المختلفة في صيدا بإشراف المفتي حسن خالد. قوبلت تلك الدعوة بعدوانية كبيرة من الاحتلال الذي شرع في عمليات اعتقال واسعة لكوادر الجماعة وغيرها وأودعهم معتقلات مختلفة ذاق عمّار مرّها لأسابيع في ما سُمي معتقل مار الياس. لكن الضجة التي رافقت اعتقاله وأدت للإفراج عنه لم تحل دون ملاحقة الاحتلال وعملائه له على الدوام حتى انتهاء رحلة الصعاب تلك في 16 شباط، تاريخ التحرير الأول للجنوب، الذي أرخ بدوره لخروج الجماعة كفصيل اساسي منتصر في المدينة، خاصة مع عودة الكوادر الذين اضطروا لمغادرة المدينة في تظاهرة عودة ضخمة يشير البعض اليها بوصفها بداية تاريخ جديد للجماعة.

ثمرة الانتصار: تحدي الصعود

كان لا بد للحركة من إعادة تشكيل اطرها القيادية والتنظيمية اواسط الثمانينيات في ظل استقطابها المزيد من المنتسبين والتأييد. وقد كانت تنظيمات الجماعة في المناطق تعمل في شكل شبه مستقل لضرورات امنية، وفي الجنوب، اتخذ القرار بتشكيل اطار سياسي على مستوى صيدا والمنطقة بكاملها برئاسة صلاح ارقدان الذي تسلم المسؤولية السياسية في الجنوب بينما تولى عمّار قيادة التنظيم في صيدا، ثم في الجنوب عام 1987.

ومع تبدل الأوضاع في الوطن نحو الأفضل في المناطق وخاصة بيروت، تم تشكيل ما يُسمى بـ«المجلس السياسي» واختير عمّار، الذي عرفت عنه دوماً دعوته الى تطوير اطر الجماعة ومن بينها اللجنة السياسية القائمة، لرئاسته عام 89 استمراراً حتى عام 99.

على ان هذه الفترة حملت معها ايضاً تطوران حدّا على ما يبدو من اندفاعة الجماعة وأثرا بشكل او بآخر على عمّار. تمثل التطور الأول بتسليم الحركة لسلاحها الى الدولة اللبنانية، اضطراراً. لم يكن من مجال للمناورة، وكان القرار واضحاً بوحدانية السلاح في يد «حزب الله حصراً» لمصلحة الجنوب.
يشير الحاج علي الذي ربطته علاقة مميزة حتى اليوم مع الحزب، الى حادثة حصلت عام 91 حين دخول الجيش اللبناني الى شرقي صيدا. كانت الجماعة والحزب على تنسيق مستمر في العمل المقاوم حتى ان موقع الحركة في شواليق قبالة كفرفالوس شهد تدريبات لكوادر من الحزب خلال الثمانينيات... وحين دخول الجيش بقيادة العماد اميل لحود الى منطقة شرقي صيدا، حصل صدام لم يكن متوقعاً مع القوة الأبرز في المنطقة على حد تعبير عمّار الذي يؤكد ان النية كانت تتجه لحل الأمور سلمياً.

طلبت الجماعة مساعدة الحزب «للملمة» الأمور، ويقول عمّار «ربطتني علاقة مميزة مع الشيخ صبحي الطفيلي والسيد عباس الموسوي الذي صارحني بأن لا امكانية للحل مع الصدام ضد الجيش الذي عليه بسط السيطرة على المنطقة». فكان ان سلمت الجماعة السلاح... وبالأمر الواقع.


يتبع..

راتب
09-24-2007, 05:30 AM
التطور الثاني والأهم والذي اثر سلباً بشكل اكبر على الجماعة، كان بزوغ نجم رفيق الحريري في صيدا ومنها في لبنان. وكان ان دفعت الجماعة، وعمّار شخصيا، الثمن عبر البقاء خارج الندوة الانتخابية بسبب التحالف الذي استمر لسنوات طويلة بين الحريري من جهة، والرئيس نبيه بري و«حزب الله» من جهة اخرى. ومن المفارقات ان عمّار دفع الثمن ايضاً في الانتخابات البلدية الأخيرة عام 2004 برغم تحالفه هذه المرة مع تيار الحريري.

ويرد الحاج علي بمرارة على مقولة استقطاب الحريري لأكثرية الشارع السني في صيدا، الى عوامل عدة كالسلطة والقرارات المالية المُتخذة والخدمات المُقدمة. ويقول إن الجماعة قابلت ذلك بإقامة مؤسسات تربوية واجتماعية هامة على مستوى لبنان كلّه من مدارس ومستشفيات ومستوصفات وأندية رياضية، وهو الأمر الذي اوجد حسب عمّار حيّزاً من الحضور للجماعة في الساحة.

العودة: لبنان والدعوة

لم يدفع ذلك عمّار الى الانكفاء، اذ برغم تركه رئاسة المكتب السياسي، شغل مهمّة نائب الأمين العام للجماعة عام 2000 حتّى عام ,2003 ثم بات عضواً في مجلس الشورى، السلطة العليا في الحركة منذ عام 2004 لثلاث سنوات.
لكن عودته الى الأضواء عبر انتخابات الحركة مؤخراً طرحت التساؤلات حول توقيت هذا الأمر والسبب وراء «إبعاد» الرئيس السابق للمكتب السياسي اسعد هرموش والذي وصفه البعض بالانقلاب في صفوف الجماعة بناء على إصرار الكوادر الجنوبية بعد ان اعتبرت ان هرموش ذهب بعيداً في تحالفه مع قوى 14 آذار، تحديداً تيار «المستقبل».

«ليس الأمر غريباَ» بالنسبة الى الرئيس الجديد، اذ ان التغيير يشمل جميع القياديين وبشكل دوري كما يؤكد «وفي الحقيقة انني لم اكن منكفئاً او مبتعداً في السنوات الثلاث الماضية اذ كنت مستمراً في عضويتي في مجلس الشورى الذي يرسم سياسة الجماعة».

اذا، الأمر ليس انقلاباً بالنسبة الى عمّار الذي يرد ايضاً عبر ابتسامة ذات دلالات «على صعيد الموقف السياسي من التطورات الحاصلة حالياً، فإن لا امكانية للجماعة للاصطفاف مع أي كان ولدينا ما يكفي من المرونة لاتخاذ قراراتنا ما ليس متوافراً لدى الآخرين. ونحن لا نرضى على الإطلاق بتحمل مسؤولية أي قرار لسنا مساهمين في إنتاجه».

بالنسبة اليه، فإن الجماعة قد اتخذت قرارها الصحيح من وجهة نظرها ومن دون التشاور مع أي كان «والناس هي من يجدر بها ان تحكم علينا»، برغم مسحة الأسف حيال موقعي الجماعة و«حزب الله» المبتعدين اليوم، وما يُحكى عن انتقادات للحزب على مجمل سلوك الحركة، «سأستثمر علاقتي الشخصية الطيبة مع المقاومة في سبيل إعادة هذه العلاقة الى ما كانت عليه في السابق، ارجو ان أنجح»، يُعلق الحاج علي.

التحدي كبير بالنسبة الى الجماعة وعمّار شخصياً «بتنا كلبنانيين امام انفسنا من جديد، اصبح لزاماً علينا التوصل الى حلول لجميع مشاكلنا. لقد تغيّر الزمن اليوم، اذ يجب مواجهة مشاكل مجتمعنا اللبناني في الداخل قبل الالتفات الى القضايا الخارجية التي حملناها في الماضي». بالنسبة اليه، فإن لا حل سوى بتوصل جميع اللبنانيين الى إصلاح سياسي يمهد بدوره للإصلاح الشامل المنشود في الوطن.

لعلّ تلك الكلمات تحمل في ثناياها ما يؤشر الى مكامن الخلاف بين الأفرقاء في المستقبل، وعن إمكانية لمراجعة الذات بالنسبة اليه والجماعة، تأتي الإجابة سريعة ومقتضبة من قبل الحـاج «سنبقى في خدمة لبنان والدعوة».