abuabdallah
10-17-2007, 10:52 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السنّة
السنّة والحديث بمعنى واحد. والمراد بالسنّة ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من قول أو فعل أو تقرير. واعتبر من السنّة ما ورد عن الصحابة موقوفاً، لأنهم كانوا يعاشرون النبي عليه الصلاة والسلام ويستمعون قوله ويشاهدون عمله ويحدثون بما رأوا وما سمعوا، ويعتبر الحديث نصاً شرعياً لأن الله تعالى يقول ] وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ ويقول ] وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [ . وكثير من الآيات جاءت مجملة وفصلها الحديث. فالصلاة مثلاً جاءت مجملة وفعل النبي صلى الله عليه و سلم هو الذي أوضح أوقاتها وكيفياتها. وهكذا كثير من الأحكام كانت تأتي في القرآن مجملة والرسول صلى الله عليه و سلم يفسرها. قال الله تعالى ] وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [. وإن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين الذين سمعوا أقوال النبي عليه الصلاة والسلام وشهدوا أفعاله وأحواله كان إذا أشكل عليهم فهم آية أو اختلفوا في تفسيرها أو حكم من أحكامها رجعوا إلى الأحاديث النبوية لاستيضاحها. وكان اعتماد المسلمين أولاً على الحفظ والضبط في القلوب غير متلفتين إلى ما يكتبونه، محافظة على هذا العلم، كحفظهم كتاب الله. فلما انتشر الإسلام واتسعت الأمصار وتفرق الصحابة في الأقطار ومات معظمهم وقل الضبط، مست الحاجة إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة.
ويرجع عهد تدوين الحديث إلى عصر الصحابة، فقد كان منهم عدة أشخاص يكتبون ويحدثون مما كتبوا. فإنه روي عن أبي هريرة أنه قال (ما من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم أكثر حديث منّي إلا ما كان من عبد الله بن عمر فإنه كان يكتب ولا أكتب). ولكن هؤلاء الصحابة الذين كانوا يكتبون كانوا نادرين لقلتهم. ومعظم الصحابة كانوا يعون ذلك في صدورهم إذ نُهوا عن كتابة الحديث في بدء الإسلام. فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلاَ حَرَجَ) ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) ولذلك أحجم الصحابة عن كتابة الحديث واكتفوا بحفظه ووعيه. وقد كانت للصحابة عناية شديدة في معرفة الحديث. وقد ثبت توقف كثير من الصحابة في قبول كثير من الأخبار. فقد روي ابن شهاب عن قبيصة أن الجدة جاءت إلى أبي بكر رضي الله عنه تلتمس أن تورَّث فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئاً وما علمت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ذكر لك شيئاً. ثم سأل الناس فقام المغيرة فقال: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعطيها السدس فقال: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر.
وروى الجريري عن أبي نظرة عن أبي سعيد أن أبا موسى سلم على عمر رضي الله عنه من وراء الباب ثلاث مرات فلم يؤذن له، فرجع فأرسل عمر في إثره فقال لما رجعت؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: (إِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ ثَلاَثاً فَلَمْ يُجَبْ فَلْيَرْجِعْ ) أخرجه أحمد. قال لتأتيني على ذلك ببينة أو لأفعلن بك. فجاء أبو موسى منتقعاً لونه ونحن جلوس فقلنا ما شأنك؟ فأخبرنا وقال: فهل سمع أحد منكم فقلنا نعم. كلنا سمعه، فأرسلوا معهم رجل منهم حتى أتى عمر فأخبره. وقال علي رضي الله عنه: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه و سلم حديثاً نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه محدث استحلفته فإن حلف لي صدقته.
ومن ذلك نرى تثبت الصحابة رضوان الله عليهم في رواية الحديث واحتياطهم في قبول الأخبار. حتى روي أن عمر لم يلتفت إلى رواية فاطمة بنت قيس في أن لا نفقة ولا سكنى للمبتوتة ثلاثاً وأنه قال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لكلام امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت. وليس معنى ذلك لأنها امرأة بل يعني لا نترك الكتاب والسنة لكلام شخص لا يعلم هل حفظ أو نسي، فالعلة كونها حفظت أو نسيت وليس كونها امرأة.
ولما نشأت الفتنة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه واختلف المسلمون وخرجت منهم أحزاب، انصرفت عناية كل حزب من أحزابهم في استنباط الأدلة واستخراج الأحاديث المؤيدة لدعواهم، فكان بعضهم إذا أعوزهم حديث يؤيدون به قولاً أو يقيمون حجة اختلقوا حديثاً من عند أنفسهم، وتكاثر ذلك أثناء تلك الفوضى. فلما هدأت الفتنة وعمد المسلمون إلى التحقيق وجدوا تلك الموضوعات قد تكاثرت، فاشتغلوا في التفريق بينها وبين الصحيح.
ولما انقضى عهد الصحابة وجاء بعدهم التابعون، ساروا في نفس الطريق واتبعوا الصحابة الكرام في اهتمامهم بشأن الحديث ونشره بطريقة الرواية، إلى أن وضع زمام الخلافة في يد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، فأمر بكتابة الحديث على رأس المائة. قال البخاري في صحيحه في كتاب العلم (وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم أنظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم فأكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء. ولا تقبل إلاّ حديث النبي صلى الله عليه و سلم ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً)، وكذلك كتب إلى عماله في أمهات المدن الإسلامية بتتبع الحديث.
وأول من دوّن الحديث بأمر عمر بن عبد العزيز محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، أخذ عن جماعة من صغار الصحابة وكبار التابعين. ثم فشى التدوين في الطبقة التي تلي طبقة الزهري فكان ممن جمعه بمكة ابن جريج وفي المدينة مالك وفي البصرة حماد بن سلمة وفي الكوفة سفيان الثوري، وفي الشام الأوزاعي، وغيرهم في مختلف البلاد الإسلامية. وكانت مجموعات الحديث لهؤلاء مختلطة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، وكان ذلك في القرن الثاني للهجرة. ثم أخذ رواة الحديث يفردونه بالجمع والتأليف في أول القرن الثالث، ولم يزل التأليف في الحديث متوالياً إلى أن ظهر الإمام البخاري وبرع في علم الحديث فألّف كتابه المشهور بصحيح البخاري وأورد فيه ما تبين له صحته واقتفى أثره في ذلك مسلم بن الحجاج وهو تلميذ البخاري، وقد ألف كتابه المشهور بصحيح مسلم، ولقب هذان الكتابان بالصحيحين.
وإن أئمة الحديث لما شرعوا في تدوينه، دونوه على الهيئة التي وجدوه عليها، ولم يسقطوا مما وصل إليهم في الأكثر إلا ما يعلم أنه موضوع مختلق. فجمعوه بالأسانيد التي وجدوه بها ثم بحثوا عن أحوال الرواة بحثاً شديداً حتى عرفوا من تقبل روايته ومن ترد ومن يتوقف في قبول روايته. واتبعوا ذلك بالبحث عن المروي وحال الرواية. إذ ليس كل ما يرويه من كان موسوماً بالعدالة والضبط يؤخذ به لأنه قد يعرض له السهو أو الوهم.
وكان الحديث هو المادة الواسعة التي تشمل جميع المعارف الإسلامية وكان يشمل التفسير، ويشمل التشريع، ويشمل السيرة. وكان راوي الحديث يروي حديثاً فيه تفسير لآية من القرآن الكريم، وحديثاً فيه حكم حادثة من الحوادث حديثاً فيه غزوة من الغزوات وهكذا ... ولما أخذ المسلمون يجمعون الأحاديث وصار تدوين الحديث، بدأ التأليف في الحديث بأمصار مختلفة. وكان جمع الحديث أن يفرد حديث الرسولصلى الله عليه و سلم عن كل ما سواه. وبذلك استقل الحديث عن الفقه، كما استقل عن التفسير، وكان ذلك على رأس المائتين، وبعدما نشطت حركت جمع الحديث وتميز الصحيح من الضعيف، وتشريح الرجال، والحكم لهم أو عليهم.
السنّة
السنّة والحديث بمعنى واحد. والمراد بالسنّة ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من قول أو فعل أو تقرير. واعتبر من السنّة ما ورد عن الصحابة موقوفاً، لأنهم كانوا يعاشرون النبي عليه الصلاة والسلام ويستمعون قوله ويشاهدون عمله ويحدثون بما رأوا وما سمعوا، ويعتبر الحديث نصاً شرعياً لأن الله تعالى يقول ] وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ ويقول ] وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [ . وكثير من الآيات جاءت مجملة وفصلها الحديث. فالصلاة مثلاً جاءت مجملة وفعل النبي صلى الله عليه و سلم هو الذي أوضح أوقاتها وكيفياتها. وهكذا كثير من الأحكام كانت تأتي في القرآن مجملة والرسول صلى الله عليه و سلم يفسرها. قال الله تعالى ] وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [. وإن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين الذين سمعوا أقوال النبي عليه الصلاة والسلام وشهدوا أفعاله وأحواله كان إذا أشكل عليهم فهم آية أو اختلفوا في تفسيرها أو حكم من أحكامها رجعوا إلى الأحاديث النبوية لاستيضاحها. وكان اعتماد المسلمين أولاً على الحفظ والضبط في القلوب غير متلفتين إلى ما يكتبونه، محافظة على هذا العلم، كحفظهم كتاب الله. فلما انتشر الإسلام واتسعت الأمصار وتفرق الصحابة في الأقطار ومات معظمهم وقل الضبط، مست الحاجة إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة.
ويرجع عهد تدوين الحديث إلى عصر الصحابة، فقد كان منهم عدة أشخاص يكتبون ويحدثون مما كتبوا. فإنه روي عن أبي هريرة أنه قال (ما من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم أكثر حديث منّي إلا ما كان من عبد الله بن عمر فإنه كان يكتب ولا أكتب). ولكن هؤلاء الصحابة الذين كانوا يكتبون كانوا نادرين لقلتهم. ومعظم الصحابة كانوا يعون ذلك في صدورهم إذ نُهوا عن كتابة الحديث في بدء الإسلام. فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلاَ حَرَجَ) ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) ولذلك أحجم الصحابة عن كتابة الحديث واكتفوا بحفظه ووعيه. وقد كانت للصحابة عناية شديدة في معرفة الحديث. وقد ثبت توقف كثير من الصحابة في قبول كثير من الأخبار. فقد روي ابن شهاب عن قبيصة أن الجدة جاءت إلى أبي بكر رضي الله عنه تلتمس أن تورَّث فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئاً وما علمت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ذكر لك شيئاً. ثم سأل الناس فقام المغيرة فقال: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعطيها السدس فقال: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر.
وروى الجريري عن أبي نظرة عن أبي سعيد أن أبا موسى سلم على عمر رضي الله عنه من وراء الباب ثلاث مرات فلم يؤذن له، فرجع فأرسل عمر في إثره فقال لما رجعت؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: (إِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ ثَلاَثاً فَلَمْ يُجَبْ فَلْيَرْجِعْ ) أخرجه أحمد. قال لتأتيني على ذلك ببينة أو لأفعلن بك. فجاء أبو موسى منتقعاً لونه ونحن جلوس فقلنا ما شأنك؟ فأخبرنا وقال: فهل سمع أحد منكم فقلنا نعم. كلنا سمعه، فأرسلوا معهم رجل منهم حتى أتى عمر فأخبره. وقال علي رضي الله عنه: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه و سلم حديثاً نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه محدث استحلفته فإن حلف لي صدقته.
ومن ذلك نرى تثبت الصحابة رضوان الله عليهم في رواية الحديث واحتياطهم في قبول الأخبار. حتى روي أن عمر لم يلتفت إلى رواية فاطمة بنت قيس في أن لا نفقة ولا سكنى للمبتوتة ثلاثاً وأنه قال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لكلام امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت. وليس معنى ذلك لأنها امرأة بل يعني لا نترك الكتاب والسنة لكلام شخص لا يعلم هل حفظ أو نسي، فالعلة كونها حفظت أو نسيت وليس كونها امرأة.
ولما نشأت الفتنة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه واختلف المسلمون وخرجت منهم أحزاب، انصرفت عناية كل حزب من أحزابهم في استنباط الأدلة واستخراج الأحاديث المؤيدة لدعواهم، فكان بعضهم إذا أعوزهم حديث يؤيدون به قولاً أو يقيمون حجة اختلقوا حديثاً من عند أنفسهم، وتكاثر ذلك أثناء تلك الفوضى. فلما هدأت الفتنة وعمد المسلمون إلى التحقيق وجدوا تلك الموضوعات قد تكاثرت، فاشتغلوا في التفريق بينها وبين الصحيح.
ولما انقضى عهد الصحابة وجاء بعدهم التابعون، ساروا في نفس الطريق واتبعوا الصحابة الكرام في اهتمامهم بشأن الحديث ونشره بطريقة الرواية، إلى أن وضع زمام الخلافة في يد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، فأمر بكتابة الحديث على رأس المائة. قال البخاري في صحيحه في كتاب العلم (وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم أنظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم فأكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء. ولا تقبل إلاّ حديث النبي صلى الله عليه و سلم ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً)، وكذلك كتب إلى عماله في أمهات المدن الإسلامية بتتبع الحديث.
وأول من دوّن الحديث بأمر عمر بن عبد العزيز محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، أخذ عن جماعة من صغار الصحابة وكبار التابعين. ثم فشى التدوين في الطبقة التي تلي طبقة الزهري فكان ممن جمعه بمكة ابن جريج وفي المدينة مالك وفي البصرة حماد بن سلمة وفي الكوفة سفيان الثوري، وفي الشام الأوزاعي، وغيرهم في مختلف البلاد الإسلامية. وكانت مجموعات الحديث لهؤلاء مختلطة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، وكان ذلك في القرن الثاني للهجرة. ثم أخذ رواة الحديث يفردونه بالجمع والتأليف في أول القرن الثالث، ولم يزل التأليف في الحديث متوالياً إلى أن ظهر الإمام البخاري وبرع في علم الحديث فألّف كتابه المشهور بصحيح البخاري وأورد فيه ما تبين له صحته واقتفى أثره في ذلك مسلم بن الحجاج وهو تلميذ البخاري، وقد ألف كتابه المشهور بصحيح مسلم، ولقب هذان الكتابان بالصحيحين.
وإن أئمة الحديث لما شرعوا في تدوينه، دونوه على الهيئة التي وجدوه عليها، ولم يسقطوا مما وصل إليهم في الأكثر إلا ما يعلم أنه موضوع مختلق. فجمعوه بالأسانيد التي وجدوه بها ثم بحثوا عن أحوال الرواة بحثاً شديداً حتى عرفوا من تقبل روايته ومن ترد ومن يتوقف في قبول روايته. واتبعوا ذلك بالبحث عن المروي وحال الرواية. إذ ليس كل ما يرويه من كان موسوماً بالعدالة والضبط يؤخذ به لأنه قد يعرض له السهو أو الوهم.
وكان الحديث هو المادة الواسعة التي تشمل جميع المعارف الإسلامية وكان يشمل التفسير، ويشمل التشريع، ويشمل السيرة. وكان راوي الحديث يروي حديثاً فيه تفسير لآية من القرآن الكريم، وحديثاً فيه حكم حادثة من الحوادث حديثاً فيه غزوة من الغزوات وهكذا ... ولما أخذ المسلمون يجمعون الأحاديث وصار تدوين الحديث، بدأ التأليف في الحديث بأمصار مختلفة. وكان جمع الحديث أن يفرد حديث الرسولصلى الله عليه و سلم عن كل ما سواه. وبذلك استقل الحديث عن الفقه، كما استقل عن التفسير، وكان ذلك على رأس المائتين، وبعدما نشطت حركت جمع الحديث وتميز الصحيح من الضعيف، وتشريح الرجال، والحكم لهم أو عليهم.