راتب
11-10-2007, 11:11 PM
طقس الوقوف أمام الكاميرات، من أين جاءت به عائلات صيدا؟
مقال جميل جدا انصح الجميع بقرأته
حسن داوود - المستقبل:
واحد من الأسباب التي جعلت هاشم المدني يصور 90 بالمئة من أهل صيدا، بحسب ما ذكر في الحوار القصير الذي يتصدر كتابه، هو أن الناس كانوا يحبون أن تؤخذ لهم صور ولم يُتح لهم أن يمتلكوا كاميرات خاصة بهم. بدأ المدني بتصويرهم في سنة 1948 ملاحقاً اياهم الى حيث هم، وهو ظل يتنقل في مطارح صيدا حتى بعد أن افتتح في 1952 إستوديو شهرزاد. "صورت الناس في أماكن عملهم، واقفين في أحيان أمام محلاتهم. صورتهم أيضاً في الشارع وعلى شاطئ البحر". أما أكثر الصور التي التقطها في الخارج (خارج الاستوديو) فهي تلك المتصلة بالمناسبات (عيدي الفطر والأضحى على وجه الخصوص) حيث كان يقام "بحر العيد" على ضفة المرسى العريضة، وتلك التي أُخذت في أمكنة النزهة الثلاثة: مقام النبي يحيى والهضبة المنحدرة منه، الكينايات المرتفعة حول ضفتي نهر الأولي، ثم مدخل عين الحلوة حيث سكة الحديد حيث، لسبب ما يتعلق بما كان يحبه اهل ذلك الزمن، كان الراغبون بالوقوف أمام الكاميرات يختارون سكة الحديد واحداً من مواقع التصوير الأثيرة.
ربما، في زمن الرومانسية ذاك، كانوا يلجأون الى أن يتبادلوا في ما بينهم المشاعر المتعلقة بالرحيل، لتأجيج العاطفة واثارة النوستالجيا قبل وقوع سببها، وايهام الآخر، الذي ربما لم يكن قيد الوجود بعد، بأن حبيبه مسافر ولن يعود. وكان يحدث هذا على سكة الحديد الخالية على المتوازيين اللذين لا اعرف ان كان قد سار عليهما قطار بعد سنة 1948، حين انقطعت السكة ما بين لبنان وفلسطين.
على الأقل لم نشاهد في الصور عربة قطار واحدة. فقط ذلك الحديد الممتد، منتظراً اذ لم يكن الناس آنذاك قد سئموا من ترقب عودة القطار. ثم ان الذين كان يحملهم القطار في رحلاته قد باتوا هنا، في تلك السنة، مختلطين بأهل صيدا الى حدّ أن مُشاهد صور الكتاب يوقفه ذلك الاختلاط الذي وصفه المدني بقوله انه كان امتزاجاً، حتى ان عديدين من القادمين الفلسطينيين صاهروا عائلات صيداوية. أما ما نشهده الآن من فك لهذا الامتزاج وانحصار الناس في أمكنة مخصوصة لهم، فسببه، بحسب المدني أيضاً، "تلك الموجة الثانية التي أتت في 1967 من غزة: كان أكثرهم يحمل سلاحاً، وقد أتوا مزودين بثقافة الحرب ونزعة الاستقواء".
كان المدني مصوراً شعبياً. زمنه كان كذلك ايضاً اذ كان أهل صيدا يرسلون أولادهم الى المدارس نفسها، سواء تلك الحكومية، أو تلك الخاصة مثل المقاصد. "عائلات قليلة فقط ارسلت ابناءها الى مدارس مثل الفرير والمدرسة الأنجيلية الوطنية..." سوى ذلك كان الناس يلتقون جميعاً في الأمكنة نفسها حيث، في صيدا، "لم يكن هناك من أمكنة مخصوصة للأثرياء".
لكن من صوّرهم هاشم المدني كانوا من خارج تلك القلة القليلة التي يقول هو انها كانت تقصد مصورين سواه. أولئك الذين ظهروا في صوره مرتدين بدلات وربطات عنق ومحارم يظهر اعلاها مرتّباً في جيب السترة العالي، ومصففين شعورهم ببريانطين سنوات الخمسين، هؤلاء كانت تفضح أناقتهم هيئاتهم التي لم تستطع زينتهم اخفاءها. اثنان منهم ظهرا في قارب راحا يتفرجان على محركه قبل ان ينقلهما بجولة الى الزيرة، غير متميزين الا قليلاً عن الأولاد الذين ملأوا قارباً آخر كبيراً في خلفية الصورة، وانتشر من تبقى منهم حول المراجيح التي جُعل بعضها على شكل قارب صغير، كأن ليفكر المتأرجحون انهم راكبون البحر، فيما هم يمخرون الهواء، مرة إلى الأمام مرة الى الوراء.
ومثلما كانوا مشتركين في الأمكنة اشتركوا ايضاً في طقس الوقوف أمام الكاميرا. كان ينبغي عليهم جميعاً، بحسب ظنهم، ان ينظروا الى العدسة، حتى لو كانوا مجتمعين عشرين شخصاً لصورة واحدة. شذ عنهم اولئك الحالمون: شاب كان يعزف، او يقلد انه يعزف، على الأكورديون، راح ينظر الى البعيد؛ شاب آخر أبعد وجهه قليلاً عن الكاميرا، ليبدو ايضاً، من نظرته التي تخفيها النظارة السوداء، انه يفكر باحداهن هي، في الوقت نفسه، تفكر فيه. ثم تلك الشابة التي، بين قليلين أو قليلات لم يذكر المدني اسماءهم مرفقة بصورهم، جلست بين أعشاب الحقل وزهوره، قاصدة أن تُظهر للصورة شعرها وحدها، الكثيف المتموج، والطويل الى حد بلوغه الأرض.
لأهل الخمسينات أمزجة وطرق في الظهور لا نعرف ان كان قد بقي شيء من بقاياها في أيامنا الآن. منها حبهم لأن يكونوا في وسط حقول القمح، واقفين بين السنابل أو متكئين عليها. اثنان منهم، من أصل ثماني صور ضمها الكتاب لبشر في حقول القمح أظهرا نفسيهما يدخنان الأرجيلة. احدهما مستلق على مرفقه فيما هو يضع طرف نبريشها في فمه، والثاني قاعد "على ركبة ونص" كما كان يقال آنذاك.
ومما اشتركوا به في طقس ظهورهم رغبتهم في أن يكونوا محاطين بالخضرة والشجر، معتقدين ما زالوا ان الجمال هو الطبيعة، وقد فات الفتاتان اللتان استظلتا بشجر الاكي دينا، كما فات المصور ان ينبههما، ان صور الأسود والأبيض تجعل الشجرة اشبه بظل شجرة لخلو منظرها من اللون. آنذاك، في زمن صيدا القديم، كان الناس يفرضون على الصور المشهد ذاته الذي كان يعجبهم قبل اختراع الكاميرات. واذ كانوا ينظرون الى الصورة بعد ذلك، كان عليهم أن يعيدوا الى الأشياء الألوان التي ذهب بها الأسود والأبيض. أوليس انهم كانوا يرون ان غاية الصور هي التذكر: تذكر كيف كانوا منذ اليومين اللذين استغرقتهما الصورة في التحميض، وتذكر كيف كانوا من عشر سنوات، بعد عشر سنوات من احتفاظهم بالصور في أدراج خزائنهم. ثم انهم، الى ذلك، سيكون عليهم أن يتذكروا تخيل المكان صحيحاً بألوانه.
لا نعرف ان كان هاشم المدني، مصورهم، هو الذي يأخذهم الى حقل القمح ليقفوا أو يتكئوا في وسطه، ام إن كانوا هم، في تلك المرحلة البدئية من اصطدام وعيهم الفوتوغرافي بوعيهم السابق على الفوتوغرافيا، متشابهين هكذا برؤيتهم الاشياء الواحدة بدلالات واحدة. في الصور الثلاث التي يُفتتح بها الكتاب نرى ذلك التطابق بين ما اراده المصور وما لم يغب عن رغبة معلمات مدرسة عائشة أم المؤمنين. في الصور الثلاث جعلت المعلمات تحتفل بسيارة السيتروان فيتوزعن، واقفات أو متكئات، او جالسات وراء مقودها، فيما هن يحتفلن بما سيكون ظهورهن في الصور بعد ذلك. كأن السيارة، في تدليلهن لها، وفي تدليل أنفسهن معها، أول سيارة في العالم، مثلما هي كاميرا هاشم مدني أوّل أو كاميرا. لذلك لم تستح المعلمات الثلاث من تلميذاتهن، الواقفات في خلفية احدى الصور، فيما هن، المعلمات، يؤدين عرضهن ذاك. لم يستحين لأنهن، أمام كاميرا التصوير، لا يعدن هن، معلمات في الصف.
الصور تحتاج الى أن يمثلن، إلى أن يحلمن، وأن يظهرن الظهور الذي يرين انه ظهور الحالمات.
*****
كتاب "هاشم المدني ـ نزهات" سلسلة من مشروع متصل يقوم به أكرم زعتري مقتفياً صور المدني التي يفوق عددها المليون، وذلك برعاية "المؤسسة العربية للصورة" و"مايند ذا غاب". الكتاب المصور كتبت مقدمته، كما التعليقات على صوره، بالانكليزية، وكان هاشم المدني قد وقعّه لزائري صيدا الأسبوع الفائت..
مقال جميل جدا انصح الجميع بقرأته
حسن داوود - المستقبل:
واحد من الأسباب التي جعلت هاشم المدني يصور 90 بالمئة من أهل صيدا، بحسب ما ذكر في الحوار القصير الذي يتصدر كتابه، هو أن الناس كانوا يحبون أن تؤخذ لهم صور ولم يُتح لهم أن يمتلكوا كاميرات خاصة بهم. بدأ المدني بتصويرهم في سنة 1948 ملاحقاً اياهم الى حيث هم، وهو ظل يتنقل في مطارح صيدا حتى بعد أن افتتح في 1952 إستوديو شهرزاد. "صورت الناس في أماكن عملهم، واقفين في أحيان أمام محلاتهم. صورتهم أيضاً في الشارع وعلى شاطئ البحر". أما أكثر الصور التي التقطها في الخارج (خارج الاستوديو) فهي تلك المتصلة بالمناسبات (عيدي الفطر والأضحى على وجه الخصوص) حيث كان يقام "بحر العيد" على ضفة المرسى العريضة، وتلك التي أُخذت في أمكنة النزهة الثلاثة: مقام النبي يحيى والهضبة المنحدرة منه، الكينايات المرتفعة حول ضفتي نهر الأولي، ثم مدخل عين الحلوة حيث سكة الحديد حيث، لسبب ما يتعلق بما كان يحبه اهل ذلك الزمن، كان الراغبون بالوقوف أمام الكاميرات يختارون سكة الحديد واحداً من مواقع التصوير الأثيرة.
ربما، في زمن الرومانسية ذاك، كانوا يلجأون الى أن يتبادلوا في ما بينهم المشاعر المتعلقة بالرحيل، لتأجيج العاطفة واثارة النوستالجيا قبل وقوع سببها، وايهام الآخر، الذي ربما لم يكن قيد الوجود بعد، بأن حبيبه مسافر ولن يعود. وكان يحدث هذا على سكة الحديد الخالية على المتوازيين اللذين لا اعرف ان كان قد سار عليهما قطار بعد سنة 1948، حين انقطعت السكة ما بين لبنان وفلسطين.
على الأقل لم نشاهد في الصور عربة قطار واحدة. فقط ذلك الحديد الممتد، منتظراً اذ لم يكن الناس آنذاك قد سئموا من ترقب عودة القطار. ثم ان الذين كان يحملهم القطار في رحلاته قد باتوا هنا، في تلك السنة، مختلطين بأهل صيدا الى حدّ أن مُشاهد صور الكتاب يوقفه ذلك الاختلاط الذي وصفه المدني بقوله انه كان امتزاجاً، حتى ان عديدين من القادمين الفلسطينيين صاهروا عائلات صيداوية. أما ما نشهده الآن من فك لهذا الامتزاج وانحصار الناس في أمكنة مخصوصة لهم، فسببه، بحسب المدني أيضاً، "تلك الموجة الثانية التي أتت في 1967 من غزة: كان أكثرهم يحمل سلاحاً، وقد أتوا مزودين بثقافة الحرب ونزعة الاستقواء".
كان المدني مصوراً شعبياً. زمنه كان كذلك ايضاً اذ كان أهل صيدا يرسلون أولادهم الى المدارس نفسها، سواء تلك الحكومية، أو تلك الخاصة مثل المقاصد. "عائلات قليلة فقط ارسلت ابناءها الى مدارس مثل الفرير والمدرسة الأنجيلية الوطنية..." سوى ذلك كان الناس يلتقون جميعاً في الأمكنة نفسها حيث، في صيدا، "لم يكن هناك من أمكنة مخصوصة للأثرياء".
لكن من صوّرهم هاشم المدني كانوا من خارج تلك القلة القليلة التي يقول هو انها كانت تقصد مصورين سواه. أولئك الذين ظهروا في صوره مرتدين بدلات وربطات عنق ومحارم يظهر اعلاها مرتّباً في جيب السترة العالي، ومصففين شعورهم ببريانطين سنوات الخمسين، هؤلاء كانت تفضح أناقتهم هيئاتهم التي لم تستطع زينتهم اخفاءها. اثنان منهم ظهرا في قارب راحا يتفرجان على محركه قبل ان ينقلهما بجولة الى الزيرة، غير متميزين الا قليلاً عن الأولاد الذين ملأوا قارباً آخر كبيراً في خلفية الصورة، وانتشر من تبقى منهم حول المراجيح التي جُعل بعضها على شكل قارب صغير، كأن ليفكر المتأرجحون انهم راكبون البحر، فيما هم يمخرون الهواء، مرة إلى الأمام مرة الى الوراء.
ومثلما كانوا مشتركين في الأمكنة اشتركوا ايضاً في طقس الوقوف أمام الكاميرا. كان ينبغي عليهم جميعاً، بحسب ظنهم، ان ينظروا الى العدسة، حتى لو كانوا مجتمعين عشرين شخصاً لصورة واحدة. شذ عنهم اولئك الحالمون: شاب كان يعزف، او يقلد انه يعزف، على الأكورديون، راح ينظر الى البعيد؛ شاب آخر أبعد وجهه قليلاً عن الكاميرا، ليبدو ايضاً، من نظرته التي تخفيها النظارة السوداء، انه يفكر باحداهن هي، في الوقت نفسه، تفكر فيه. ثم تلك الشابة التي، بين قليلين أو قليلات لم يذكر المدني اسماءهم مرفقة بصورهم، جلست بين أعشاب الحقل وزهوره، قاصدة أن تُظهر للصورة شعرها وحدها، الكثيف المتموج، والطويل الى حد بلوغه الأرض.
لأهل الخمسينات أمزجة وطرق في الظهور لا نعرف ان كان قد بقي شيء من بقاياها في أيامنا الآن. منها حبهم لأن يكونوا في وسط حقول القمح، واقفين بين السنابل أو متكئين عليها. اثنان منهم، من أصل ثماني صور ضمها الكتاب لبشر في حقول القمح أظهرا نفسيهما يدخنان الأرجيلة. احدهما مستلق على مرفقه فيما هو يضع طرف نبريشها في فمه، والثاني قاعد "على ركبة ونص" كما كان يقال آنذاك.
ومما اشتركوا به في طقس ظهورهم رغبتهم في أن يكونوا محاطين بالخضرة والشجر، معتقدين ما زالوا ان الجمال هو الطبيعة، وقد فات الفتاتان اللتان استظلتا بشجر الاكي دينا، كما فات المصور ان ينبههما، ان صور الأسود والأبيض تجعل الشجرة اشبه بظل شجرة لخلو منظرها من اللون. آنذاك، في زمن صيدا القديم، كان الناس يفرضون على الصور المشهد ذاته الذي كان يعجبهم قبل اختراع الكاميرات. واذ كانوا ينظرون الى الصورة بعد ذلك، كان عليهم أن يعيدوا الى الأشياء الألوان التي ذهب بها الأسود والأبيض. أوليس انهم كانوا يرون ان غاية الصور هي التذكر: تذكر كيف كانوا منذ اليومين اللذين استغرقتهما الصورة في التحميض، وتذكر كيف كانوا من عشر سنوات، بعد عشر سنوات من احتفاظهم بالصور في أدراج خزائنهم. ثم انهم، الى ذلك، سيكون عليهم أن يتذكروا تخيل المكان صحيحاً بألوانه.
لا نعرف ان كان هاشم المدني، مصورهم، هو الذي يأخذهم الى حقل القمح ليقفوا أو يتكئوا في وسطه، ام إن كانوا هم، في تلك المرحلة البدئية من اصطدام وعيهم الفوتوغرافي بوعيهم السابق على الفوتوغرافيا، متشابهين هكذا برؤيتهم الاشياء الواحدة بدلالات واحدة. في الصور الثلاث التي يُفتتح بها الكتاب نرى ذلك التطابق بين ما اراده المصور وما لم يغب عن رغبة معلمات مدرسة عائشة أم المؤمنين. في الصور الثلاث جعلت المعلمات تحتفل بسيارة السيتروان فيتوزعن، واقفات أو متكئات، او جالسات وراء مقودها، فيما هن يحتفلن بما سيكون ظهورهن في الصور بعد ذلك. كأن السيارة، في تدليلهن لها، وفي تدليل أنفسهن معها، أول سيارة في العالم، مثلما هي كاميرا هاشم مدني أوّل أو كاميرا. لذلك لم تستح المعلمات الثلاث من تلميذاتهن، الواقفات في خلفية احدى الصور، فيما هن، المعلمات، يؤدين عرضهن ذاك. لم يستحين لأنهن، أمام كاميرا التصوير، لا يعدن هن، معلمات في الصف.
الصور تحتاج الى أن يمثلن، إلى أن يحلمن، وأن يظهرن الظهور الذي يرين انه ظهور الحالمات.
*****
كتاب "هاشم المدني ـ نزهات" سلسلة من مشروع متصل يقوم به أكرم زعتري مقتفياً صور المدني التي يفوق عددها المليون، وذلك برعاية "المؤسسة العربية للصورة" و"مايند ذا غاب". الكتاب المصور كتبت مقدمته، كما التعليقات على صوره، بالانكليزية، وكان هاشم المدني قد وقعّه لزائري صيدا الأسبوع الفائت..